فهرس الكتاب

الصفحة 3396 من 4996

صفحة رقم 294

وأوضحت هذا المعنى قراءة من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون ، أي بنوع حيلة ، تسمعًا منتهيًا إلى ذلك ، وهو يفهم أنهم يتسمعون ، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر ، بما أشار إليه الإدغام ، ويشير أيضًا إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم ، وأفرد الوصف دلالة أيضًا على أن العطف يكون من واحد لا من جميع فقال: ( الأعلى ) أي مكانًا ومكانة بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور هيبة .

ولما كان التقدير: لأنهم يطردون طردًا قويًا ، دل عليه بالعاطف في قوله: ( ويقذفون ) أي الشياطين يرمون رميًا وحيًا يطردون ، وبني للمفعول لأن النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم ، مع أنه أدل على القدرة الألهية عزت وجلت ) من كل جانب ) أي من جوانب السماوات بالشهب إذا قصدوا السماع بالاستراق ) دحورًا ) أي قذفًا يردهم مطرودين صاغرين مبعدين ، فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو مفعول له أو حال .

ولما كان هذا ربما سببًا لأن يظن ظان أنهم غير مقدور عليهم في غير هذه الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته ، وإنما جعل حالهم هذا فتنة لمن أراد من عباده ، فقال معبرًا باللام التي يعبر بها غالبًا عن النافع تهكمًا بهم: ( ولهم عذاب ) أي في الدنيا بهذا وبغيره ، وفي الآخرة يوم الجمع الأكبر ) واصب ) أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب على ذلك ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم .

ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان ، وكان بعضهم مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة لمن أراد من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز ، استثنى من فاعل ) الخطفة ) أي اختلس الكلمة أو أكثر ، مرة من المرات منهم ، ودل على قوة انقضاض الكواكب في أثره بالهمزة في قوله: ( فأتبعه( مع تعديه بدونها ، أي تبعه بغاية ما يكون من السرعة حتى كأنه يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه وعز شأنه هيأها لئلا تنقض إلا في أثر من سمع منهم حين سماعه سواء لا يتخلف ) شهاب ) أي شعلة النار من الكوكب أو غيره ) ثاقب ) أي يثقب ما صادفه من جني وغيره وإن كان الجني من نار فإنه ليس نارًا خالصة ، وعلى التنزل فربما كان الشيء الواحد أنواعًا بعضها أقوى من بعض ، فيؤثر أقواه في أضعفه كالحديد ، وتارة يخطئ الجني وتارة يصيبه ، وإذا أصابه فتارة يحرقه فيتلفه وتارة يضعفه .

ولما كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة: التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، ودل سبحانه بهذه المذكورات على وجوده وكمال علمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت