صفحة رقم 295
وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم منه إثبات وحدانيته تفصيلًا لبعض إجمال ) أو ليس الذي خلق السموات والأرض ( فكان ما دونها من الأفعال أولى ، سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي أخبر به هذا القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ منها الشهب الثواقب قوله تهكمًا بهم:( فاستفهم ) أي سلهم أن يتفتوا بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث ، وأصله من الفتوة وهي الكرم: ( أهم أشد ) أي أقوى وأشق وأصعب ) خلقًا ) أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها ) أم من ( ولما كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا وهو خلقه سبحانه ، عبر بما يدل على ذلك دون ذكرنا ، وليكون أعم ، وحذف المفعول لأنه مفهوم ، ولئلا يلبس إذا ذكر ضمير المستفتين ، فقال:( خلقنا ) أي من هذه الأشياء التي عددناها من الحي وغيره من الجن الذين أعطيناهم قدرة التوصل إلى الفلك وغيرهم ، وعبر ب ( من ) تغليبًا للعاقل من الملائكة وغيرهم مما بين السماوات والأرض .
ولما كان الجواب قطعًا أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم وأنهم هم من أضعف الخلائق خلقًا ، قال دالًا على إرادة التهكم بهم في السؤال ، مؤكدًا إشارة إلى أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه إنكار ابتداء الخلق على هذا الوجه: ( إنا خلقناهم ) أي على عظمتنا ) من طين ) أي تراب رخو مهين ) لازب ) أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر وتضايق وتلازم بعضه لبعض ، وقل واشتد ودخل بعض التراب المنتثر من بعض ، قال ابن الجوزي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الطين الحر الجيد اللزق .
وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم ، فصاروا بهذا التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه الذاتية التي لا يمتنع عليها مقدور ، ولا يعجزها مأمور ، فدل ابتداء خلقهم وخلق ما هو أشد منهم وأعظم على القدرة على إعادتهم قطعًا بل بطريق الأولى من غير وجه ، وحسن هذا الاستفتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا السماء تكبرًا وعلوًا ، وهموا بما لم ينالوا تجبرًا وعلوًا ، وسلط عليهم ما يردهم مقهورين مبعدين مدحورين ، واستثنى منهم من ) خطف ( ليعلم أنه غير محال ما تعلقت به منهم الآمال ، هذا مع ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب لثقله والسفول كما أن من شأن من ختم بهم ما قبله العلو لخفتهم والصعود .
ولما كان من المعلوم قطعًا أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو التبكيت لأن