فهرس الكتاب
صفحة رقم 308
ولما أخبر سبحانه باشتراكهم ، استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير إلى عمومه في الدارين لكل من شاركهم في الإجرام ، فقال مؤكدًا دفعًا لظن من ينكر القيامة وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه نقمة ، أو يفعل في التمادي في الإجرام فعل المنكر ؛ ) إنا ) أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء ) كذلك ) أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن ) نفعل ( بهم - هكذا كان الأصل ، ولكنه علق بالوصف تعميمًا وتعليلًا فقال:( بالمجرمين ) أي كل قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة ، نهمل ثم نأخذ أخذًا عنيفًا يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون ، ويحيل بعضهم على بعض ثم لا ينفعهم ذلك ، بل نشارك بينهم في العقوبة ، ثم علل تعذيبه لهم بقوله مؤكدًا للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن أحدًا يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها: ( إنهم كانوا ) أي دائمًا ) إذ قيل لهم ) أي من أيّ قائل كان: ( لا إله ) أي يمكن ، وإذا نفي الممكن كان الموجود أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن وجوده وإن كان واجبًا ) إلا الله ) أي الملك الأعلى المباين لجميع الموجودات في ذاته وصفاته وافعاله كما هو الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى مسكة بصفات الكمال ، وقدم النفي لأن التحلية لا تكون إلا بعد التخلية ) يستكبرون ) أي يوجدون الكبر عن الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن متابعة الداعي إليه ، استكبار من هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من العراقة والعتو ، فلم يكن لهم مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة من هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في شيء من ساعات أيامهم - التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون - خير ينجيهم من المكارة .
ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله ، أتبعه الإخبار بأنهم تكلموا في رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بما لا يرضاه: فقال: ( ويقولون ) أي كل حين ما دلوا به على بعدهم عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك في استفهام إنكاري مؤكدًا: ( إئتا لتاركوا آلهتنا ( اي عبادتها ، وكان تأكيد أصل الكلام للإشارة إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم بحالهم يراهم جديرين بترك ما هم عليه لما جاء به( صلى الله عليه وسلم ) ، ولذلك أعلم بأن ما هم عليه عناد بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض بالبديهة بقوله: ( لشاعر مجنون ( فإن الجنون لا نظام معه ، والشعر يحتاج إلى عقل رصين وقصد قويم ، وطبع في الوزن سليم ، أو للإشارة إلى أن إنكار المؤكد إنكار لغيره بطريق الأولى .
ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل ، فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب وكلام