فهرس الكتاب
صفحة رقم 395
ولما ذكر إقامتهم ويسر دخولهم ، وصف حالهم إذ ذاك فقال: ( متكئين فيها ) أي ليس لهم شغل سوى النعيم ولا عليهم كلفة أصلًا .
ولما كان المتكئ لا يتم نعيمه إلا إن كان مخدومًا ، دل على سؤودهم بقوله: ( يدعون فيها ( اي كلما أرادوا من غير مانع أصلًا ولا حاجة إلى قيام ولا قعود يترك به الاتكاء .
ولما كان أكلهم إنما هو للتفكه لا لحفظ الجسد من آفة قال: ( بفاكهة كثيرة ( فسمى جميع مآكلهم فاكهة ، ولما كانت الفاكهة لا يمل منها ، والشراب لا يؤخذ إلا بقدر الكفاية ، وصفها دونه فقال: ( وشراب ( .
ولما كان الأكل والشرب داعيين إلى النساء لا سيما مع الراحة قال: ( وعندهم ) أي لهم من غير مفارقة أصلًا .
ولما كان سياق الامتنان مفهمًا كثرة الممتن به لا سيما إذا كان من العظيم ، أتى بجمع القلة مريدًا به الكثرة لأنه أشهر وأوضح وأرشق من ( قواصر ) المشترك بين جمع قاصر وقوصرة بالتشديد والتخفيف لوعاء التمر فقال: ( قاصرات ( ولما كن على خلق واحد في العفة وكمال الجمال وحد فقال:( الطرف ) أي طرفهن لعفتهن وطرف أزواجهن لحسنهن ، ولما لم تنقص صيغة جمع القلة المعنى ، لكونه في سياق المدح والامتنان ، وكان يستعار للكثرة ، أتى على نمط الفواصل بقوله: ( أتراب ) أي على سن واحد مع أزواجهن وهو الشباب ، سمي القرين تربًا لمس التراب جلده وجلد قرينه في وقت واحد ، قال البغوي: بنات ثلاث وثلاثين سنة ، لأن ذلك ادعى للتآلف فإن التحاب بين الأقران أشد وأثبت .
ولما ذكر هذا النعيم لأهل الطاعة ، وقدم ذلك العذاب لأهل المعصية قال: ( هذا ) أي الذي هنا والذي مضى ) ما ( وبني للمفعول اختصارًا وتحقيقًا للتحتم قوله: ( توعدون( من الوعد والإيعاد ، وقراءة الغيب على الأسلوب الماضي ، ومن خاطب لفت الكلام للتلذيذ بالخطاب تنشيطًا لهممهم وإيقاظًا لقلوبهم ) ليوم الحساب ) أي ليكون في ذلك اليوم .
ولما كان هذا يصدق بأن يوجد ثم ينقطع كما هو المعهود من حال الدنيا ، أخبر أنه على غير هذا المنوال فقال: ( إن هذا ) أي المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب ) لرزقنا ) أي للرزق الذي يستحق الإضافة إلينا في مظهر العظمة ، فلذلك كانت النتيجة: ( ما له من نفاد ) أي فناء وانقطاع ، بل هو كالماء المتواصل في نبعه ، كلما أخذ منه شيء أخلف في الحال بحيث إنه لا يميز المأخوذ من الموجود بوجه من الوجوه ، فيكون في ذلك تلذيذ وتنعيم لأهل الجنة بكثرة ما عنده ، وبمشاهدة ما كانوا يعتقدونه ويثبتونه لله تعالى من القدرة على الإعادة في كل وقت ، جزاء وفاقًا عكس ما يأتي لأهل النار .