فهرس الكتاب
صفحة رقم 396
ولما كانت النفوس نزاعة للهوى ميالة إلى الردى ، فكانت محتاجة إلى مزيد تخويف وشديد تهويل ، قال تعالى متوعدًا لمن ترك التأسي بهؤلاء السادة في أحوال العبادة ، مؤكدًا لما مضى من إيعاد العصاة وتخويف العتاة: ( هذا ) أي الأمر العظيم الذي هو جدير بأن يجعل نصب العين وهو أنه لكل من الفريقين ما ذكر وإن أنكره الكفرة ، وحذف الخبر بعد إثباته في الأول أهول ليذهب الوهم فيه كل مذهب ) وإن للطاغين ) أي الذين لم يصبروا على تزيليهم أنفسهم في منازلها بالصبر على ما أمروا به فرفعوا أنفسهم فوق قدرها ، وتجاوزوا الحد وعلوا في الكفر به وأسرفوا في المعاصي والظلم وتجبروا وتكبروا فكانوا أحمق الناس ) لشر مآب ) أي مصير ومرجع ، وأبدل منه أو بينه بقوله: ( جهنم ) أي الشديدة الاضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم .
ولما كان اختصاصهم بها ليس بصريح في عذابهم ، استأنف التصريح به في قوله: ( يصلونها ) أي يدخلونها فيباشرون شدائدها .
ولما أفهم هذا غاية الكراهة لها وأنه لا فراش لهم غير جمرها ، فكان التقدير: فيكون مهادًا لهم لتحيط بهم فيعمهم صليها ، سبب عنه قوله: ( فبئس المهاد ) أي الفراش هي ، فإن الفائدة الفراش تنعيم الجسد ، وهذه تذيب الجلد واللحم ثم يعود في الحال كلما ذاب عاد عقوبة لهم ليريهم الله ما كانوا يكذبون به من الإعادة في كل وقت دائمًا أبدًا ، كما كانوا يعتقدون ذلك دائمًا أبدًا جزاء وفاقًا عكس ما لأهل الجنة من التنعيم والتلذيذ بإعادة كل ما قطعوا من فاكهتها وأكلوا من طيرها ، لأنهم يعتقدون الإعادة فنالوا هذه السعادة .
ولما قدم أن لأهل الطاعة فاكهة وشرابًا ، وكان ما وصف به مأوى العصاة لا يكون إلا عذابًا ، وكان مفهمًا لا محالة أن الحرارة تسيل من أهل النار عصارة من صديد وغيره قال: ( هذا ) أي العذاب للطاغين ) فليذوقوه ( ثم فسره بقوله:( حميم ) أي ماء حار ، وأشار بالعطف بالواو إلى تمكنه في كل من الوصفين فقال: ( وغساق ) أي سيل منتن عظيم جدًا بارد أسود مظلم شديد في جميع هذه الصفات من صديد ونحوه وهو في قراءة الجماعة بالتخفيف اسم كالعذاب والنكال من غسقت عينه ، أي سالت ، وغسق الشيء ، أي امتلأ ، ومنه الغاسق للقمر لامتلائه وكماله ، وفي قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد صفة كالخباز والضراب ، تشير إلى شدة أمره في جميع ما استعمل فيه من السيلان والبرد والسواد .
ولما كان في النار أجارنا الله منها بعفوه ورحمته ما لا يعد من أنواع العقاب ، قال عاطفًا على هذا ، ) وآخر ) أي من أنواع المذوقات على قراءة البصريين بالجمع