فهرس الكتاب

الصفحة 3540 من 4996

صفحة رقم 438

ولا قصد ، ولا قرب ولا بعد ، كلا بل هو الله الواحد القهار ، وذلك كما قيل: المؤمن بقوة عقله يوجب استقلاله بعمله إلى أن يبدو ومنه كمال تمكنه من وقادة بصيرته ، ثم إذا بدا له لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مقمرة ، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة ، فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار تلك الكواكب .

ولما كان من المستبعد جدًا أن يقسو قلب من ذكر الله ، بينه الله وصوره في أعظم الذكر فإنه كان للذين آمنوا هدى وشفاء ، وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وفي أبصارهم عمى ، فقال مفخمًا للمنزل بجعل الاسم الأعظم مبتدأ وبناء الكلام عليه: ( الله ) أي الفعال لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال ) نزّل ) أي بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة ) أحسن الحديث ( وأعظم الذكر ، ولولا أنه هو الذي نزله لما كان الأحسن ، ولقدر - ولو يومًا واحدًا - على الإيتان بشيء من مثله ، وأبدل من( أحسن ) قوله: ( كتابًا ) أي جامعًا لكل خير ) متشابهًا ) أي في البلاغة المعجزة والموعظة الحسنة ، لا تفاوت فيه أصلًا في لفظ ولا معنى ، مع كونه نزل مفرقًا في نيف وعشرين سنة ، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في التهذيب سواء اتحدج زمانه أو لا ، والاختلاف في المختلف في الزمان أكثر ، ولم يقل: متشبهًا ، لئلا يظن أنه غير واضح الدلالة لا يمدح به .

ولما كان مفصلًا إلى سور وآيات وجمل ، وصفه بالجمع في قوله: ( مثاني ( جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص والمواهظ والأحكام والحكم ، مختلفة البيان في وجوه من الحكم ، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات ، من غير اختلاف أصلًا في أصل المعنى ، ولا يمل من تكراره ، وترداد قراءته وتأمله واعتباره ، مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده: المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي ، والرحمة العامة والرحمة الخاصة ، والجنة والنار ، والنعيم والشقاء والضلال والهدى ، والسراء والضراء ، والبشارة والنذارة ، فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحًا إلا ثني بإفهام ما لضده تلويحًا ، فكان مذكورًا مرتين ، ومرغبًا فيه أو مرهبًا منه كرتين ، ويجوز أن يكون التقدير: متشابهة مثانيه ، فيكون نصبه على التمييز ، وفائدة التكرير أن النفوس أنفي شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليها عودًا على ما بدء لم يرسخ عندها ولم يعمل عمله ، ومن ثم كان النبي( صلى الله عليه وسلم ) يكرر قوله ثلاث مرات فأكثر .

ولما كان التكرار يمل ، ذكر أن من خصائص هذا الكتاب أنه يطرب مع التكرار ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت