فهرس الكتاب

الصفحة 3543 من 4996

صفحة رقم 441

تعلمون ، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستفهام أولًا دليلًا على حذف متعلقه ثانيًا ، وما يقال للظالم ثانيًا دليلًا على ما يقال للعدل أولًا .

ولما ذكر ما أعد لهم من الآخرة ، وكانوا في مدة كفرهم كالحيوانات العجم لا ينتظرون إلا الجزئيات الحاضرة ، خوفهم بما يعملونه في الدنيا ، فقال على طريق الاستئناف في جواب من يقول: فهل يعذبون في الدنيا: ( كذب الذين ( وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال:( من قبلهم ) أي مثل سبأ وقوم تبع وأنظارهم: ( فأتاهم العذاب ( وكان أمرهم علينا يسيرًا ، وأشار إلى أنه لم يغنهم حذرهم بقوله:( من حيث ) أي من جهة ) لا يشعرون ( أنه يأتي منها عذاب ، جعل إيتانه من مأمنهم ليكون ذلك أوجع للمعذب ، وأدل على القدرة بأنه سواء عنده تعالى الإيتان بالعذاب من جهة يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أن يأتي منها شر ما ، فضلًا عما أخذوه به ، بل لا يتوقع إلا الخير .

لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم بالعذاب استهزاء ، سبب عنه تبكيت من لم يتعظ بحالهم فقال: ( فأذاقهم الله ) أي الذي لا راد لأمره ) الخزي ) أي الذل الناشئ عن الفضيحة والعذاب الكبير بما رادزه من إخزاء الرسل بتكذبيهم ) في الحياة الدنيا ) أي العاجلة الدنية .

ولما كان انتظار الفرج مما يسلس ، قال معلمًا أن عذابهم دائم على سبيل الترقي إلى ما هو أشد ، وأكده إنكارهم إياه: ( ولعذاب الآخرة ) أي الذي انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه البعث: ( أكبر ( من العذاب الذي أهلكهم في الدنيا ، وأشدهم إخزاء ، فالآية من الاحتباك: ذكر الخزي أولًا دليلًا على إرادته ثانيًا ، والأكبر ثانيًا دليلًا على الكبير أولًا ، وسره تغليظ الأمر عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة والسلام بخلاف ما يأتي في فصلت .

فإن سيافه للطعن في الوحدانية ، وهي لكثرة أدلتها وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في نكال الكافر به مطلق العذاب .

ولما كان من علم أنه فعله يورث نكالًا كف عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال: ( لو كانوا يعلمون ) أي لو كان لهم علم ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا وآمنوا ، ولكنه لا علم لهم أصلًا ، بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا ، لأن الجزئيات لا تنفعهم كما تنفع سائر الحيوانات ، فإن الشاة ترى الذئب فتنفر منه إدراكًا لأن بينها وبينه عداوة بما خلق الله في طبعه من أكل أمثالها ، وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من العذاب لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى التصديق .

ولما ذكر سبحانه حال الأولين موعظة للعرب ، فكان كأنه قيل صرفًا للقول إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت