فهرس الكتاب
صفحة رقم 446
هكذا كان الأصل ولكنه قال: ( ممن كذب ( تعميمًا وتعليقًا بالوصف ، فكفر بستر الصدق الثابت وإظهار ما لا حقيقة له .
ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا كان كما مضى على الأكابر فكيف إذا كانوا ملوكًا ، فكيف إذا كان على ملك الملوك ، لفت القول إلى مظهر الاسم الأعظم تنبيهًا على ذلك فقال: ( على الله ) أي الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره ، فمن نازعه واحدة منهما قصمه ، فزعم فب كذبه أن له سبحانه أندادًا ، وشركاء وأولادًا .
ولما كان وقوع الحساب يوم القيامة حقًا لكونه واقعًا لا محالة وقوعًا يطابق الخبر عنه ، لما علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره لما علم من أن أقل الخلق لا يرضى أن يترك عبيده سدى ، فكيف بالخالق ؟ فكان الخبر به صدقًا لوقوع العلم القطعي بأنه يطابق ذلك الواقع قال: ( إذ جاءه ) أي من غير توقف ولا نظر في دليل ، كما هو دأب المعاندين ، أولئك هم الكافرون لهم ما يضرهم من عذاب جهنم ، ذلك جزاء المسيئين .
ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل العاقل ترك الخلق سدى ، فكان يوم الدين معلومًا قطعًا ، وكان معنى هذا الاستفهام الإنكاري نفي مدخوله فترجمته: ليس أحد أكذب منهم ، وكان عرف اللغة في تسليط هذا النفي على صيغة أفعل إثبات مدلول افعل ليكون المعنى أنهم أكذب الخلق ، فكان التقدير: أليس هذا الكاذب المكذب عاقلًا يخشى أن يحاسبه الله كل خلقه ؟ أليس الله المتصف بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب كل من الخلائق من تحت يده ؟ أليس يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى الحكام ؟ أليس دار انتقامه جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم ؟ نسق به قوله: ( أليس في جهنم ) أي النار النار تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله ) مثوى ) أي منزل مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم هكذا كان الأصل ، ولكنه قال تعميمًا وتعليلًا بالوصف مبينًا أن الكذب كفر أي ستر للصدق وغظهار لما لا حقيقة له ، والتكذيب بالصدق كذلك ) للكافرين ) أي الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به ، ذلك جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين ، فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلًا على تلك المقدمات كلها .
ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم الذين يخاصمونهم عند ربهم وهم المحسنون بالصدق فقال: ( والذي ) أي الفريق الذي ) جاء بالصدق ) أي الخبر