فهرس الكتاب
صفحة رقم 454
الوفاتين أنه يمسك عنده ) التي قضى ) أي ختم وحكم وبت بتًا مقدرًا مفروغًا منه ، وقراءة البناء للمفعول موضحة لهذا المعنى بزيادة اليسر والسهولة ) عليها الموت ( مظروفة لمماتها ، لا تقدر على تصريف جسدها ما دام الموت محيطًا بها كما أن النائمة كذلك ما دام النوم محيطًا بها ) ويرسل الأخرى ) أي التي أخر موتها ، وجعلها مظروفة للمنام لأنها لم ينقض أجلها الذي ضربه لها بأن ينفى بالمنام فيوقظها لتصريف أبدانها ، ويجعل ذلك الإمساك للميتة ، والإرسال للنائمة ) إلى أجل مسمى ( لبعث الميتة ولموت النائمة ، لا يعلمه غيره ، فإذا جاء ذلك الأجل أمات النائمة وبعث الميتة ، وقد ظهر من التقدير الذي هدى إليه قطعًا السياق أن النفس التي تنام هي التي تموت وهي الروح ، قال ابن الصلاح في فتاويه: وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنّة - انتهى .
روى الطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس رضي الله الله عنهما قال: تلتقي أرواح الأحياء والأموات ، فيتسألون بينهم ، فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها .
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل ) باسمك ربي وضعت جنبي اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ( وظهر أيضاَ أن الآية من الاحتباك: ذكر الحين أولًا دليلًا على تقدير مثله في النوم ثابتًا ، والمنام ثانيًا دليلًا على حذف الممات أولًا .
ولما تم هذا على الأسلوب الرفيع ، والنظم المنيع ، نبه على عظمته وما فيه من الأسرار بقوله مؤكدًا قرعًا بمن يرميه بالأساطير وغيرها من الأباطيل: ( إن في ذلك ) أي الأمر العظيم من الوفاة والنوم على هذه الكيفية والعبارة عنه على هذا الوجه ) لآيات ) أي على أنه لا يقدر على الإحياء والحفظ غيره ، وأنه قادر على البعث وغيره من كل ما يريده ) لقوم ) أي ذوي قوة في مزاولة الأمور .
ولما كان هذا الأمر لا يحتاج إلى غير تجريد النفس من الشواغل والتدبر قال: ( يتفكرون ) أي في عظمة هذا التدبير ليعلم به عظمة الله ، وذلك أن النفس جوهر روحاني له في التعلق بالبدن ثلاث حالات: إحداهما أن يقع ضوء النفس على البدن ظاهرًا وباطنًا ، وذلك هو الحياة مع اليقظة ، وثانيتها انقطاع ضوء النفس عن البدن ظاهرًا لا باطنًا ، وذلك بالنوم ، وثالثها انقطاع ذلك ظاهرًا وباطنًا وهو بالموت ، فالموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام ، والنوم انقطاع ناقص ، فلا يقدر على إيجاد شيء واحد على نوعين ، ثم