فهرس الكتاب
صفحة رقم 476
من العظمة ما يفوت الوصف ولذلك كذب به الكفار أتى فيما يكون فيه بإذنه بصيغة المجهول على طريقة كلام القادرين إشارة إلى هوانه وأنه طوع أمره لا كلفة عليه في شيء من ذلك وكذا ما بعده من الأفعال زيادة في تصوير عظمة الأمر فيه فقال: ( ووضع الكتاب ) أي الذي أنزل إلى كل أمة لتعمل به .
ولما كان الأنبياء أعم من المرسلين ، وكان للنبي وهو المبعوث ليعمل من أمره أن يأمر بالمعروف ، وقد يتبعه من أراد الله به الخير ، وكان عدتهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا ، وهي قليلة جدًا بالنسبة إلى جميع الناس ، عبر بهم دون المرسلين وبجمع القلة فقال: ( وجاء بالنبيين ( للشهادة على أممهم بالبلاغ .
ولما كان أقل ما يكون الشهود ضعف المكلفين ، عبر بجمع الكثرة فقال: ( والشهداء ) أي الذين وكلوا بالمكلفين فشاهدوا أعمالهم فشهدوا بها وضبطوها فأصلت الأصول وصورت الدعاوى وأقيمت البينات على حسبها من طاعة أو معصية ، ووقع الجزاء على حسب ذلك ، فظهر العدل رحمة للكفار ، وبان الفضل رحمة للمسلمين ) وقضى بينهم ) أي بين العباد الذين فعل ذلك كله لأجلهم ، ولما كان السياق ظاهرًا في عموم الفضل عدلًا وفضلًا كما يأتي التنبيه عليه قال: ( بالحق ( بأن يطابق الواقع من المثوبات والعقوبات ما وقع الخبر به في الكتب على ألسنة الرسل .
ولما كان المراد كمال الحق باعتبار عمومه لجميع الأشخاص والأعمال وكان ربما طرقه احتمال تخصيص ما ، أزال ذلك بقوله: ( وهم ) أي باطنًا وظاهرًا ) لا يظلمون ) أي لا يتجدد لهم ظلم في وقت أصلًا ، فلا يزادون في جزاء السيئة على المثل شيئًا ولا ينقصون في جزاء الحسنة عن العشر شيئًا .
ولما كان ذلك ربما كان بالنسبة إلى ما وقع فيه الحكم ، وليس نصًا في شمول الحكم لكل عمل ، نص عليه بقوله ، ذاكرًا الوفاء والعمل لاقتضاء السياق ذلك بذكر الكتاب وما في حيزه من النبيين والشهداء والقضاء الحق ، وذلك كله أليق بذكر العمل المؤسس على العلم ، والوفاء الذي هو الركن الأعظم في الحق ومساق العلم ، والعلم والوفاء أوفق لجعل العمل نفسه هو الجزاء بأن يصور بما يستحقه من الصور المليحة إن كان ثوابًا والقبيحة إن كان عقابًا ، والفرق بينه وبين العقل المؤسس على الشهوة وقوة الداعية: ( ووفيت كل نفس ( ولما كانت التوفية في الجزاء على غاية التحرير والمبالغة في الوفاء والمشاكلة في الصورة والمعنى ، جعل الموفي نفس العمل فقال:( ما عملت ) أي من الحسنات ، لذلك عبر بالعمل الذي لا يكون إلا مع العلم وأفهم الختام تقدير ( والله أعلم بما يعملون ) .