صفحة رقم 481
مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله ، لا يملؤون ما حوله ، حال كونهم ) يسبحون بحمد ( وصرف القول إلى وصف الأحسان مدحًا لهم بالتشمير لشكر المنعم وتدريبًا لغيرهم فقال:( ربهم ) أي يبالغون في التنزيه عن النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره ، وأن يحويه مكان متلبسين بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم ، ولا منازع من شهوة أو حظ يغفلهم ، تلذذًا بذكره وتشرفًا بتقديسه ، ولأن حقه إظهار تعظميه على الدوام كما أنه متصل الإنعام .
ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات ، ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاضوا في أصل خلقهم بقولهم ) أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ( الآية فقال:( وقضى بينهم ) أي بين أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات .
ولما كان السياق عامًا في الترغيب والترهيب عدلًا وفضلًا ، بخلاف سياق سورة يونس عليه السلام ، قال: ( بالحق ( بأن طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع ، فمن طغى منهم أسكناه لظى بعدلنا ، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا ، لجهادهم ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات ، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات ، وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات:( وقيل ) أي من كل قائل: آخر الأمور كلها ) الحمد ) أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ، وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام فقال: ( لله ( ذي الجلال والإكرام ، علمنا ذلك في هذا اليوم عمل اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين .
ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر ، قال واصفًا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم: ( رب العالمين ) أي الذي ابتدأهم ، أولًا من العدم وأقامهم ثانيًا بما رباهم به من التدبير ، وأعادهم ثالثًا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير ، وأبقاهم رابعًا لا إلى خير ، فقد حقق وعده كما أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه ، فتحقق أنه تنزيله ، فقد ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به عند ابتداء الخلق في أول الإنعام ، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال كتابه على كل حال ، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ما فيه للواقع عندما يأتي تأويله ، وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول ، فمن أتبعه كان له سببًا للإبقاء الثاني ، وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزًا نظامه ، فائتًا القوى أول كل شيء منه وختامه ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين .