صفحة رقم 551
ولما كان حال الإنسان إن مال إلى جانب الخوف الهلع أو إلى جانب الرجاء البطر ، فكان لا يصلحه إلا الاعتدال ، بالتوسط الموصل إلى الكمال ، بما يكون لطبعه بمنزلة حفظ الصحة ودفع المرض لبدنه ، قال واصفًا ل ( قرآنًا ) ) بشيرًا ) أي لمن اتبع ) ونذيرًا ) أي لمن امتنع فانقطع .
روى أبو نعيم في الحلية في تلاجمة إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أنه روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجه أنه قال في خطبة له: وأعجب ما في الإنسان قلبه ، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها إن سنح له الرجاء ادلهمه الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضى نسي التحفظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع ، وإن أفاد مالًا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط به مفسد .
ولما كانت عادتهم دوام الاحتياط في كل بشارة ونذارة بأمر دنيوي ، سبب عن هذا مخالفتهم لعادتهم في ترك الحزم بالجزم بالإعراض فقال: ( فأعرض أكثرهم ) أي عن تجويز شيء من بشائره أو نذائره ) فهم ( لذلك ) لا يسمعون ) أي يفعلون فعل من لا يسمع فهم لا يقبلون شيئًا مما دعا إليه وحث عليه .
ولما أخبر عن إعراضهم ، أخبر عن مباعدتهم فيه فقال: ( وقالوا ) أي عند إعراضهم ممثلين لمباعدتهم في عدم قبولهم: ( قلوبنا في أكنَّة ) أي أغشية محيطة بها ، ولما كان السياق في الكهف للعظمة كان الأنسب له أداة الاستعلاء فقال ) إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ( وعبروا هنا بالظرف إبعادًا لأن يسمعوا ) مما ) أي مبتدئة تلك الأغشية وناشئة من الأمر الذي ) تدعونا ( أيها المخبر بأنه نبي ) إليه ( فلا سبيل له إلى الوصول إليها لنفيه أصلًا .
ولما كان القلب أفهم لما يرد إليه من جهة السمع قالوا: ( وفي آذاننا( التي هي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب ) وقر ) أي ثقل قد أصمها عن سماعه ) ومن بيننا وبينك ) أي مبتدئ من الحد الذي فصلك منا والحد الذي فصلنا منك في منتصف المسافة قي ذلك ) حجاب ( ساتر كثيف ، فنحن لا نراك لنفهم عنك بالإشارة ، فانسدت طرق الفهم لما نقول ) فاعمل ) أي بما تدين به .
ولما كان تكرار الوعظ موضعًا للرجاء في رجوع الموعوظ قطعوا ذلك الرجاء بالتأكيد بأداته ، وزادوه بالنون الثالثة والتعبير بالاسمية فقالوا: ( إننا عاملون ) أي بما ندين به فلا مواصلة بيينا بوجه ليستحي أحد منا من الآخر في عمله أو يرجع إليه ، ولو قال ) وبيينا ( من غير ) من ( لأفهم أن البينين بأسرهما حجاب ، فكان كل من الفريقين ملاصقًا لبينه ، وهو نصف الفراغ الحاصل بينه