صفحة رقم 6
صفحًا إن كنتم قومًا مسرفين ( ولما قدم في الشورى قوله ) لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا ( فأعلم أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته ، والجاري على هذا أن يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار ، عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال ) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلًا ظل وجهه مسودًا وهو كظيم ( فكمل الواقع هنا بما تعلق به ، وكذلك قوله تعالى ) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ( وقوله في الزخرف ) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة ( إلى آخره - انتهى .
ولما أفهم تكرير هذا التأكيد أنهم يطعنون في علاه ، ويقدحون في بديع حلاه ، فعل من يكره ويأباه ، إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا يرضاه ، قال منكرًا عليهم: ( أفنضرب ) أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير مجاوزين ) عنكم ( خاصة من بين بني إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) الذكر ) أي الوعظ السمتلزم للشرف ) صفحًا ) أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض المجانب بصفحة عنقه ، فلا نرسل إليكم رسولًا ، ولا ننزل معه كتابًا فهو مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم ، أو يكون ظرفًا بمعنى جانبًا أي نضربه عنكم جانبًا ، قال الجامع بين العباب والمحكم ، أضربت عن الشيء: كففت وأعرضت ، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه: صرفه ، وقال الإمام عبد الحق في الواعي: والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابته فأراد أن يصرفه عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة التي يريدها ، فوضع الضرب في موضع الصرف والعدل ، قال الهروي: قال الأزهري: يقال: ضربت عنه وأضربت بمعنىّ واحد ، ونقل النواوي عنه أنه قال: إن المجرد قليل ، فالحاصل أن الضرب إيقاع الشيء على آخر بقوة ، فمجرده متعد إلى واحد ، فإن عدي إلى آخر ب ( عن ) ضمن معنى الصرف ، وإذازيدت همزة النقل فقيل: أضربت عنه ، أفادت الهمزة قصر الفعل ، وأفهمت إزالة الضرب ، فمعنى الآية: أفنضرب صارفين عنكم الذكر صفحًا ، أي معرضين إعراضًا شديدًا حتى كأنا ضربنا الذكر لينصرف عنكم معرضًا كإعراض من ولى إلى صفحة عنقه ، ثم علل إرادتهم هذا الإعراض بما يقتضي الإقبال بعذاب أو متاب فقال: ( إن ) أي أنفعل ذلك لأن ) كنتم قومًا مسرفين ) أي لأجل أن كان الإسراف جبلة لكم وخلقًا راسخًا ، وكنتم قادرين على القيام به في تكذيب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والقدح فيما يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من شدتكم أو رجاء من غير تذكير لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعًا ، فإن المسرف أجدر بالتذكير وأحوج إلى الوعظ ، هذا