صفحة رقم 7
إن كان مقربًا ، وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول الأمر ، بل لو أراد القرب طرد ، وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر ( إن ) على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقًا على غاية ما يكون من الإنصاف ، فيكون المعنى: أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف ، يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف ، وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدعف عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجون إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباه ، بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره ل ايترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد ، والجحد والعناد ، فيدعوهم بأبلغ الحجة ، وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذاالنبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره .
ولما كان المعنى أن لا نترككم هملًا ، كان كأنه قيل: هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولًا هو أشرفكم نسبًا وأزكاكم نفسًا وأعلاكم همة وأرجحكم عقلًا وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقًا وأوجهكم عشيرة ، فعطف قوله تأنيسًا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتأسية وتعزية وتسلية: ( وكم أرسلنا ) أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية لذلك .
ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال ، ميزه بأن قال: ( من نبي في الأولين ( ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا فقال:( وما ) أي والحال أنه ما ) يأتيهم ( وأغرق في النفس بقوله:( من نبي ) أي في أمة بعد أمة بعد أمة وزمان بعد زمان ) إلا كانوا ) أي خلقًا وطبعًا وجبلة ) به يستهزءون ( كما استهزأ قومك ، وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه .
الزخرف: ( 8 - 13 ) فأهلكنا أشد منهم. .. . .
)فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (( )