فهرس الكتاب

الصفحة 3766 من 4996

صفحة رقم 9

البداعة ثم على أكمل منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ما لا نهاية له - هذا هو الأليق بكمال ذاته وجليل صفاته ، ونعوذ بالله من عمى المعتزلة والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة والعقول الكاسدة والعرب لجهلهم يعبدون مع اعترافهم بهذا غيره ، وذلك الغير لا قدرة له على شيء أصلًا ، ولا علم له بشيء أصلًا ، فقد كسر هذا السؤال بجوابه جحتهم ، وبان به غلطهم وفضيحتهم ، حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون .

ولما كان جوابهم بغير هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان لاعترافهم تنبيهًا لهم على موضع الحجة ، أتبعهما من كلامه دلالة على ذلك قوله التفاتًا إلى الخطاب لأنه أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع وتذكيرًا لهم بالإحسان الموجب للإذعان وتفصيلًا للقدرة: ( الذي جعل لكم( فإنه لو كان ذلك قولهم لقالوا لنا ) الأرض مهدًا ) أي فراشًا ، قارة ثابتة وطية ، ولو شاء لجعلها مزلزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال ، أو جعلها مائدة لا تثبت لكونها على تيار الماء ، ولما جعل الأرض قرارًا لأشباحكم جعل الأشباح قرارًا لأرواحكم وطوقها حمل قرارها وقوة التصرف به في حضورها وأسفارها ليدلكم ذلك على تصرفه سبحانه في الكون وتصريفه له حيث أراد ، وأنه الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي لا أبطن منه ، قال القشيري: فإذا انتهى مدة كون النفوس على الأرض حكم الله بخرابها ، كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها ، وأعاد الفعل تنبيهًا على تمكنه تعالى من إقامة الأسباب لتيسير الأمور الصعاب إعلامًا بأنه لا يعجزه شيء: ( وجلع لكم فيها سبلا ) أي طرقًا تسلكونها بين الجبال والأودية ، ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك ، ثم ذكر العلة الغائبة في ذلك فقال: ( لعلكم تهتدون ) أي ليكون خلقنا لها كذلك جاعلًا حالكم حال من يرجى له الهداية إلى مقاصد الدنيا في الأٍفار وغيرها ظاهرًا فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة والأقاليم الواسعة للأمور الرافقة النافعة ، فإنها إذا تكرر سلوكها صار لها من الآثار الناشئة من كثرة التكرار ما يهدي كل مار وإلىالمقاصد الأخرى وحكمتها باطنًا إذا تأمل الفطن حكمة مسخرها وواضعها وميسرها .

ولما كان إنزال الماء من العلو في غاية العجب لا سيما إذا كان في وقت دونه وقت ، وكان إنبات النبات به أعجب ، وكان دالًا على البعث ولا بد ، وكان مقصود السورة أنه لا بد من ردهم عن عنادهم بأعظم الكفران إلى الإيمان ، والخضوع له بغاية الإذعان ، قال دالًا على كمال القدرة على ذلك وغيره بالتنبيه على كمال الوصف بالعطف وبإعادة الموصول الدال على الفاعل المذكر بعظمته للتنبيه على أن الإعادة التي هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت