فهرس الكتاب
صفحة رقم 18
ما هم ) إلا يخرصون ) أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ، والذين جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر ، فكان أكثر قولهم كذبًا ، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح ، وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى ) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين( وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال ، مطابقًا لمقتضى الحال ، وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات: ادعاء الولدية للغني المطلق ، وكون الولد أدنى الصنفين ، وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل ، واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول ، وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به .
ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين ، وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان مختلًا ، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات حتى الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى ، أتبع ذلك أنهم عريئون أيضًا من صحيح النقل ، فقال معادلًا لقوله )أشهدوا خلقهم ( إنكارًا عليهم بعد إنكار ، موجبًا ذلك أعظم العار ، لافتًا القول عن الوسف بالرحمة تنبيهًا بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال: ( أم آتيناهم( بما لنا من العظمة ) كتابًا ) أي جامعًا لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه ) من قبله ) أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثًا وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به ) فهم ) أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم ) به ) أي وحده ) مستمسكون ) أي موجودون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله ، وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة ، وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة ، وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلًا ، والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم ، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في ) ما لهم بذلك من علم ( شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة .