فهرس الكتاب

الصفحة 3885 من 4996

صفحة رقم 128

لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع الغضب والبطالات ، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيهًا على ذلك ، فقال شارحًا للستواء ومعبرًا عنه: ( وبلغ أربعين سنة( فاجتمع أشده وتم حزمه وجده ، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل ، ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء ، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين ) قال ( إن كان محسنًا قابلًا لوصية ربه:( رب ) أي أيها المحسن إليّ بالإجياد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره ) أوزعني ) أي اجعلني أطيق ) أن أشكر نعمتك ) أي وازعًا للشكر أي كافًا مرتبطًا حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات ، وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق ، ووحدها تعظيمًا للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس .

ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى: أن أشكر لك لكونك قادرًا على الإنعام ، قال: ( التي أنعمت عليّ ) أي بالفعل لوجوب ذلك عليّ لخصوصه بي ) وعلى والديّ ( ولو بمطلق الإيجاد والعافية في البدن ، لأن النعمة عليهما نعمة عليّ ، وقد مضى في النمل ما يتعين استحضاره هنا ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها التوحيد ، أتبعها تمام الشكر فقال ، ) وأن أعمل ) أي أنا في خاصة نفسي ) صالحًا ( .

ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال: ( ترضاه ( والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقّدر الله حق قدره أحد .

ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه ، لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه ، حثًا على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال: ( وأصلح ) أي أوقع الإصلاح ، وقال: ( لي في ذريتي ( لأن صلاحهم يلحقه نفعه ، والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفًا له أن يكون ثابتًا راسخًا سرايًا فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين .

ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان إغلبه ضائعًا فدعا ، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة ، علله بقوله: ( إني تبت ) أي رجعت ) إليك ) أي عن كل ما يقدح في الإقبال عليك ، وأكده إعلامًا بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به ، وكذا قوله: ( وإني من المسلمين ) أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه .

ولما وصف هذا المؤمن بادئًا به لكونه في سياق الإحسان ، وكان المراد بالإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت