فهرس الكتاب
صفحة رقم 133
الوصف الذي أوجب لهم الجزاء إشارة إلى أن الأمر كان ظاهرًا لهم ولكنهم ستروا ، أنوار عقولهم فقال: ( يعرض الذين كفروا ) أي من الفريقين المذكورين ) على النار ) أي يصلون لهبها ويقلبون فيها كما يعرض اللحم الذي يشوى ، مقولًا لهم على سبيل التنديم والتقريع والتوبيخ والشتنيع لأنهم لم يذكروا الله حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها مع مخالفة أمره سبحانه ونهيه: ( أذهبتم( في قراءة نافع وأبي عمرو والكوفيين بالإخبار ، وقراءة الباقين بالاستفهام لزيادة الإنكار والتوبيخ ) طيباتكم ) أي لذاتكم باتباعكم الشهوات ) في حياتكم ( ونفر منها بقوله تعالى:( الدنيا ) أي القريبة الدنية لأجلها حتى نلتموها ) واستمتعتم ) أي طلبتم وأوجدتم انتفاعكم ) بها ( وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم .
ولما كان ذلك استهانة بالأوامر والنواهي للاستهانة بيوم الجزاء ، سبب عنه قوله تعالى: ( فاليوم تجزون ) أي على إعراضكم عنا بجزاء من لا تقدرون التقصي من جزائه بأيسر أمر منه ) عذاب الهون ) أي الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي فيه ذلك وخزي ) بما كنتم ( جبلة وطبعًا ) تستكبرون ) أي تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار ) في الأرض ( التي هي لكونها ترابًا وموضوعة على الزوال والخراب ، أحق شيء بالتواضع والذل والهوان .
ولما كان الاستكبار يكون بالحق لكونه على الظالمين فيكون ممدوحًا ، قيده بقوله: ( بغير الحق ) أي الأمر الذي يطابقه الواقع وهو أوامرنا ونواهينا ، ودل بأداة الكمال على أنه لا يعاقب على الاستكبار مع الشبهة ) وبما كنتم ( على الاستمرار ) تفسقون ) أي تجددون الخروج عن محيط الطاعة الذي تدعو إليه الفطرة الأولى العقل إلى نوازع المعاصي .
ولما هددهم سبحانه بالأمور الأخروية ، وستر الأمر بالتذكير بها لكونها مستورة وهم بها يكذبون في قوله ( ويوم ) ، وختم بالعذاب على الاستكبار المذموم والفسق ، عطف عليه تهديهم بالأمور المحسوسة لأنهم متقيدون بها مصرحًا بالأمر بالذكر فقال تعالى: ( واذكر ) أي لهؤلاء الذين لا يتعظون بمحط الحكمة الذي لا يخفى على ذي لب ، وهو البعث .
ولما كان أقعد ما يهددون به في هذه السورة وأنسبه لمقصودها عاد لكونهم أقوى الناس أبدانًا وأعتاهم رقابًا وأشدهم قلوبًا وأوسعهم ملكًا وأعظمهم استكبارًا بحيث كانوا يقولون ) من أشد منا قوة ( وبنوا البنيان الذي يفني الدهر ولا يفنى ، فلا يعمله إلا من نسي الموت أو رجا الخلود واصطنعوا جنة على وجه الأرض لأن ملكهم عمها كلها مع قرب بلادهم لكونها في بلاد العرب من قريش ومعرفتهم