صفحة رقم 177
ولما كان التقدير: إنما ضروا أنفسهم ناجزًا بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم شيئًا .
عطف عليه: ( وسيحبط ) أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه ) أعمالهم ( من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت ، فهو إنما يرائي بها ، ومن المجاهر على غير أساس أصلًا ، فلا ينفعهم شيء منها ، ومن المكائد التي يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في إحكامها ، فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء .
ولما حدى ما تقدم كله من ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه لا غرض أصلًا ، وإنما هو رحمة ولطف وإحسان ومنّ ، أنتج قوله مناديًا من احتاج إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه إلى ذلك وعدم مبدرته قبله: ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بألسنتهم ) أطيبعوا الله ) أي الملك الأعظم تصديقًا لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة ، وعظم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بإفراده فقال تعالى: ( وأطيعوا الرسول ( لأن طاعته من طاعة الذي أرسله ، فإذا فعلتم ذلك حققتم أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول السورة ، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر ليكمل العمل صورة وروحًا .
ولما كانت الاطاعة قد تحمل على إقامة الصورة الظاهرة ، قال منبهًا على الإخلاص لتكمل حسًا ومعنى: ( ولا تبطلوا أعمالكم ) أي بمعصيتهما ، فإن الأعمال الصالحة بلا معنى ، فهي مما يكون هباء منثورًا مثل ما فعل أولئك المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق والرياء والعجب والملء والأذى ونحو ذلك من المعاصي ، ولكن السياق بسياقه ولحاقه يدل على أن الكفر هو المراد الأعظم بذلك ، والآية من الاحتباك: ذكر الطاعة أولًا دليلًا على المعصية ثانيًا ، والإبطال ثانيًا دليلًا على الصحة أولًا ، وسره أنه أمر بمبدأ السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانيًا ، لأنه أعظم في النهي عن الفساد لما فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته .
محمد: ( 34 - 36 ) إن الذين كفروا. .. . .
)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (( )
ولما دل ما أخبر به أولًا عن المشاققين على أنهم مغلوبون في الدنيا خاسرون في الآخرة ، وكانت الخسارة في الآخرة مشروطة بشرط ، علل ما أمر به المؤمنون هنا من الطاعة ونهوا عنه من إبطال الأعمال بالمعصية ، زيادة في حثهم على ما أمر به بعلتين كل