صفحة رقم 176
منكم بل ولا تعلمونه أنتم حق علمه ) المجاهدين منكم ( في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالًا للأمر بذلك .
ولما كان عماد الجهاد الصبر على المكاره قال تأكيدًا لأمره: ( والصابرين ) أي على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد ، قال القشيري: فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال ، فيظهر المخلص ويتضح المماذق وينكشف المنافق .
ولما نصب معيارًا للعلم بالذوات ، أتبعه مسبارًا للمعرفة للأخيار ، فقال عاطفًا على ( نعلم ) في رواية الجماعة وعلى ( نبلو ) في الرواية عن يعقوب بإسكان الواو: ( ونبلوا أخباركم ) أي نخالطها بأن نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحًا وقبيحًا مليحًا ليظهر للناس العامل لله والعامل للشيطان ، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ذلك إحسان من الله إليه فيستحيي منه ويرجع إليه ، وإذا سمى حسنه باسم القبيح واشتهر به علم أن ذلك لطف من الله به كيلا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه ، والعامل للشيطان يزداد في القبائح .
لأن شهرته عند الناس محط نظره ، ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخبر ولم يؤكد بنا ، وفي قراءة يعقوب إشارة إلى أن إحالة حال المخبر بعد ظهور خبره أسهل من إحالته قبل ظهوره ، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا هتكت أستارنا وفضحتنا .
ولما جرت العادة بأن الإنسان لا يعذب ولا يهدد إلى من ضره كما تقدم من الإخبار بنكالهم وقبيح أعمالهم مهيئًا للسؤال عن ذلك فاستأنف قوله مؤكدًا لظنهم أنهم هم الغالبون لحزب الله: ( إن الذين كفروا ) أي غطوا من دلت عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا سيما بعد إرسال الرسول المؤيد بواضح المعجزات ( صلى الله عليه وسلم ) ) وصدوا ) أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم ) عن سبيل الله ) أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم .
ولمنا كان أكثر السياق للمساترين بكفرهم ، أدغم في قوله: ( وشاقوا الرسول ) أي الكامل في الرسلية المعروفة غاية المعرفة .
ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على الوحدانية قبل الإرسال ، قال مثبتًا الجار إعلامًا بأناه لايغفر لمضيعه بعد الإرسال ولو في أدنى وقت: ( من بعد ما تبين ) أي غاية التبين بالمعجز ) لهم الهدى( بحث صار ظاهرًا بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق إلى مبين ، ومنه ما أخبرت به الكتب القديمة الإليهة .
ولما كان المناصب للرسول إنما ناصب من أرسله ، دل على ذلك بقوله معريًا له من الفاء دلالة على عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر موجود عملوا أو لم يعملوا وجدوا أو لم يوجدوا )لن يضروا الله ) أي ملك الملوك ، ولم يقل: الرسول ) شيئًا ) أي كثيرًا ولا قليلًا من ضرر بما تجمعوا عليه من الكفر والصد .