فهرس الكتاب
صفحة رقم 197
ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظنًا منهم أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل: قد علم كذبهم ، فماذا يقال لهم ؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله: ( قل ) أي لهؤلاء الأغبياء واعظًا لهم مسببًا عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ماهو بحيث تخشى عاقبته: ( فمن يملك لكم( أيها المخادعون ) من الله ) أي الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفوء له ) شيئًا ( يمنعكم منه ) إن أراد بكم ) أي خاصة ) ضرًا ) أي نوعًا من أنواع الضرر عظيمًا أو حقيرًا ، فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم ) أو أراد بكم نفعًا ( بحفظهما به مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنهان ويحفظكم في أنفسكم ، وقد علم من تصنفيه سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإبهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن الردة ، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام .
ولما كان التقدير قطعًا: لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئًا من ذلك بل هو قادر على كل ما يريد منه ، فعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيرًا مما تعملون ، فيخفى عليه كذبكم ، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، بنى عليه ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى: ( بل كان الله ) أي المحيط أزلًا وأبدًا بكل شيء قدرة علمًا ) بما تعلمون ) أي الجهلة ) خبيرًا ) أي يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها .
ولما ضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عيه بأمر عام ، وقدمه لأنه أعم نفعًا بما فيه من الشمول ، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال: ( بل ) أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال ) ظننتم ( وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ، ليس لكم نفوذ إلى البواطن ، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال: ( أن لن ينقلب ( ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث والمسير ، قال مشيرًا إلى أن من أرسل رسولًا إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزًا عما يريد: ( الرسول ( وعظم التابعين فقال: ( والمؤمنون ( معبرًا بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى:( إلى أهليهم أبدًا ) أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم: ما هم في قريش إلا أكلة رأس. ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب ، قال مشيرًا بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في