صفحة رقم 221
في رتبة الطاعة أو خارجًا عنها ، وهو الفاسق ، والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضرًا عندهم أو غائبًا عنهم ، فهذه خمسة أقسام ، فصل النداء بسببها خمس مرات ، كل مرة لقسم منها ، واففتح بالله لأن الأدب معه هو الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه ، فقال مناديًا للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيهًا على أن سبب نزولها من أفعالهم أهل الكمال ، فهو هفوة تقال ، وما كان ينبغي أن يقال ، وليشمل الخطاب المعهود للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من باب الأولى .
)يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان ) لا تقدموا ( وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب الوهم كل مذهب ، ويجوز أن يكون حذفه من قصد إليه أصلًا ، بل يكون النهي موجهًا إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل ، ويجوز أن يكون من قدم - بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم أي شجع نفسه على التقدم ، ومنه مقدمة الجيش ، وهم متقدموه ، وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه وتصوير شناعته ، وإلى أنهم في القبضة ترهيبًا لهم فقال:( بين يدي الله ) أي الملك الذي لا يطاق انتقامه .
ولما كان السياق للنهي عن التقديم والتقدم ، وكان مقتضى الرسالة إنفاذ الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن يكون من المرسل إليهم اعتراض أصلًا ، وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ولا يفعل مهم إلا بإذنه ، لأن العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء أصلًا ، عبر بالرسول دون النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير التعظيم فقال: ( ورسوله ) أي الذي عظمته ظاهرة جدًا ، ولذلك قرن اسمه باسمه وذكره بذكره ، فهو تميهدي لما يأتي من تعظيمه ، فالتعبير بذلك إشارة إلى أن النفس إذا خليت وفطرتها الأولى ، امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه ، وإجلالًا له ، فلا يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى القويمة .
فالمعنى: لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء والله يقول الحق ويهدي السبيل ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يبلغ عنه لا ينطق عن الهوى ، فعلىالغير الاقتداء والاتباع ، لا الابتداء والابتداع ، سواء كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) غائبًا أو حاضرًا بموت أو غيره ، فإن آثاره كعينه ، فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح ،
77 ( ) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ( ) 7
[ العنكبوت: 69 ] .
ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين وصور البينة ترهيبًا من انتقام القادر إذا خولف ، صرح بذلك بقوله تعالى: ( واتقوا الله ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية ، فإن التقوى مانعة من أن تضعيوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه .