صفحة رقم 223
ولما ثبت إعظام الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بأن لا يفتات عليه بأن يتأهب ما هو وظيفته من التقدم في الأمور وقطع المهمات ، فلا يكلم إلا جوابًا أو سؤالًا في أمر ضروري لا يمكن تأخيره ، وكان من يكلمه لذلك ربما رفع صوته رفعًا الأولى به غيره مما هو دونه ، وكان من جملة أحواله أن يوحى إليه بالأمور العظيمة ، وكان رفع الصوت إذ ذاك من المشوشات في حسن التلقي للوحي مع ما فيه من قلة الاحترام والإخلاء بالإجلال والإعظام ، قال ذاكرًا لثاني الأقسام ، وهو ما كان النظر فيه إلى مقامه ( صلى الله عليه وسلم ) بالقصد الأول ، مستنجًا مما مضى من وصفه بالرسالة الدالة على النبوة ، آمرًا بحفظ حرمته ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته بتبجيله وتفخيمه ، وإعزازه وتعظيمه ، مكررًا لندائهم بما ألزموا أنسهم به من طاعته بتصديقه واستعداء لتجديد الاستنصار وتطرية الندب إلى الإنصات وإشارة إلى أن المنادى له أمر يستحق أن يفرد بالنداء ويستقل بالتوصية: ( يا أيها الذين آمنوا( مكررًا للتعبير بالأدنى من أسنان القلوب للتنبيه على أن فاعل مثل هذه المنهيات والمتحاج فيها إلى التنبيه بالنهي قد فعل من هذا حاله ) لا ترفعوا أصواتكم ) أي في شيء من الأشياء ) فوق صوت النبي ) أي الذي يتلقى عن الله ، وتلقيه عنه متوقع في كل وقت ، وهذا يدل على أن أذى العلماء الذين هيأهم الله لتلقي فهم دينه عند شديد جدًا ، فإن تكدير أوقاتهم يمنعهم عن كثير من ذلك .
ولما بين ما في ذلك لأجل النبوة ، بين ما ينبغي في نفسه من المزية فقال: ( ولا تجهروا بالقول ) أي إذا كلمتموه سواء كان ذلك بمثل صوته أو أخفض من صوته ، فإن ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء ، ويوقر الكبراء .
ولما شمل هذا كل جهر مخصوص ، وهو ما يكون مسقطًا للمزية ، قال: ( كجهر بعضكم لبعض ) أي فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وبين غيره .
ولما نهى عن ذلك ، بين ضرره فقال مبينًا أن من الأعمال ما يحبط ولا يدرى أنه محبط ، ليكون العامل كالماشي في طريق خطر لايزال يتوقى خطره ويديم حذره: ( أن ) أي النهي لأجل خشية أن ) تحبط ) أي تفسد فتسقط ) أعمالكم ) أي التي هي الأعمال بالحقيقة وهي الحسنات كلها ) وأنتم لا تشعرون ) أي بأنها حبطت ، فإن ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استف به واظب عليه ، وإذا واظب عليه أوشك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر .
ولما تقدم سبحانه في الإخلاء بشيء من حرمته ( صلى الله عليه وسلم ) ونهى عن رفع الصوت والجهر الموصوف ، أنتج المخافة عنده على سبيل الإجلال ، فبين ما لمن حافظ على ذلك الأدب العظيم ، فقال مؤكدًا لأن في المنافقين وغيرهم من يكذب بذلك ، وتنبيهًا .