فهرس الكتاب
صفحة رقم 225
يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) 73
ولما نهى سبحانه عن الإخلاء بالأدب ، وأمر بالمحافظة على التعظيم ، وذكر وصف المطيع ، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به ، فقال مؤكدًا لأجل أن حالهم كان حال من يدع عقلًا تامًا: ( إن الذين ينادونك ) أي يجددون نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن ) من وراء ( إثبات هذا الجار يدل على أنه( صلى الله عليه وسلم ) كان داخلها ، ولو سقط لم يفد ذلك ، بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة وإليهم على حد سواء ، وذلك بأن يكون الكل خارجها ، والوراء: الجهة التي تواريك وتواريها من خلف أو قدام .
ولما كان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من العظمة في نفسه وفي تبلغ رسالات الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد .
فليس لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء ، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرته واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال: ( الحجرات ( ولم يضفها إليه إجلالًا له ، وليسمل كوني في غيرها أيضًا ، والمعنى: مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك ، وهي جمع حجرة ، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل ، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله ، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة ، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي .
ولما كان الساكت قد لا يكون راضيًا قال: ( أكثرهم ) أي المنادي والراضي دون الساكت لعذر ) لا يعلقون ( لأنهم لم يصبروا ، بل فعلوا معه( صلى الله عليه وسلم ) كما يفعل بعضهم مع من يماثله ، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار .
ولما ذمهم بسوء عملهم ، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال: ( ولو أنهم ) أي المنادي والراضي ) صبروا ) أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم ، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة ، وصبر عن كذا - محذوف الفعل لكثرة دوره ، أي نفسه ) حتى تخرج ( من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق. ولما كان الخروج قد يكون لي غيرهم من المصالح ، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليهم قال:( إليهم ) أي ليس