فهرس الكتاب

الصفحة 3999 من 4996

صفحة رقم 242

ذلك ، فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة ، فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم ، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: من لاحظ شيئًا من أعماله وأحواله فإن رآها دون نفسه كان شركًا ، وإن رآها لنفسه كان مكرًا ، فكيف يبمن العبد بما هو شرك أو مكر ، والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة ، هذا لعمري فضيحة ، والمنة تكدر الصنيعة ، إذا كانت من المخلوقين ، وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله .

ولما نفى عنهم ما هو باطن ، وختم جدالهم سبحانه بهذه الشرطية ، فكان ربما توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه ، أزال ذلك على وجه عام ، وأكده لذلك فقال: ( إن الله ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ) يعلم ) أي بطريق ثبوت الصفة وتجريد التعلق واستمراره كلما تجدد محدث أو كان بحيث يتجدد ) غيب السماوات ) أي كلها ) والأرض ( كذلك .

ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله: ( والله ) أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون ) بصير ) أي عالم أتم العلم ظاهرًا وباطنًا ) بما تعملون ( من ظاهر إسلامكم وباطن إيمانكم في الماضي والحاضر والآتي سواء كان ظاهرًا أو باطنًا سواء كان قد حدث فصار إيمانكم في الماضي والحاضر والآتي سواء جبلاتكم وهو خفي عنكم - هذا على قراءة الخطاب التفات إليهم لاستنقاذ من توهم منهم هذا التوهم ، وهي أبلغ ، وعلى قراءة ابن كثير بالغيب يكون على الأسلوب الأول مما أمر النبي( صلى الله عليه وسلم ) بإبلاغه لهم ، فهو سبحانه عالم بمن انطوى ضميره على الإيمان ، ومن هو متكيف بالكفران - ومن يموت على ما هو عليه ، ومن يتحول حاله بإبعاد عنه أو جذب إليه ، قال القشيري رحمه الله تعالى: ومن وقف ههنا تكدر عليه العيش إذ ليس يدري ما غيبه فيه ، وفي المعنى قال:

أبكي وهل تدرين ما يبكيني أبكي حذرًا أن تفارقينيوتقطعي حبلي وتهجريني

انتهى .

وفي ذلك أعظم زجر وترهيب لمن قدم بين يدي الله ورسوله ولو أن تقدمه في سره .

فإنه لا تهديد أبلغ من إحاطة العلم ، فكأنه قيل: لا تقدموا بين يديه فإن الله محيط العلم فهو يعلم سركم وجهركم ، فقد رجع هذا الآخر إلى الأول ، والتف به التفاف الأصل بالموصل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت