فهرس الكتاب

الصفحة 4015 من 4996

صفحة رقم 258

ولما كان التقدير: فكان من تلك النفخة صيحة هائلة ورجة شاملة ، فقال الناس عامة من قبورهم ، وحصل ما في صدورهم ، عطف عليه قوله بيانًا لإحاطة العرض: ( وجاءت كل نفس ) أي مكلفة كائنًا ) معها سائق ( يسوقها إلى ماهي كارهة للغاية لعلمه بما قدمت من النقائص ) وشهيد ( يشهد عليها بما عملت ، والظاهر من هذا أن السائق لا تعلق له بالشهادة أصلًا ، لئلا تقول تلك النفس: إنه خصم ، والخصم لا تقبل شهادته ، ويقال حينئذ للمفرط في الأعمال في أسلوب التأكيد جريًا على ما كان يستحقه إنكاره في الدنيا ، وتنبيهًا على أنه لعظمه مما يحق تأكيده:( لقد كنت ) أي كونًا كأنه جبلة لك ) في غفلة ) أي عظيمة محيطة بك ناشئة لك ) من هذا ) أي من تصور هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب ، والجزاء بالثوب أو العقاب لأنه على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات ) فكشفنا ( بعظمتنا بالموت ثم بالعبث ) عنك غطاءك ( الذي كان يحجبك عن رؤيته من الغفلة بالآمال في الجاه والأموال وسائر الحظوظ والشهوات ، تحقيقًا لما له سبحانه من الإحاطة بالتقدير والتعجيز ، وعن الواسطي: من كشف عنه غطاء الغفلة أبصر الأشياء كلها في أسر القدرة وانكشف له حقائق الأشياء بأسرها ، وهذا عبارة عن العلم بأحوال القيامة .

ولما تسبب عن هذا الكشف الانكشاف التام ، عبر عنه بقوله: ( فبصرك اليوم ) أي بعد البعث ) حديد ) أي في غاية الحدة والنفوذ ، فلذا تقر بما كنت تنكر .

ولما أخبر أخبر تعالى بما تقوله له الملائكة أو من أراد من جنوده ، وكان قد أخبر أن معبوداتهم من الأصنام والشياطين وغيرها تكون عليهم يوم القيامة ضدًا ، أخبر بما يقول القرين من السائق والشهيد والشيطان الذي تقدم حديثه في الزخرف ، فقال عاطفًا على القول المقدر قبل ( لقد ) معبرًا بصيغة المضي تأكيدًا لمضمونه وتحقيقًا: ( وقال قرينه ) أي الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد .

نقله الكرماني عن ابن الطائع والعاصي في غاية العجب ، لأن الطائع ينابذ هواه فيكون ملكيًا مجردًا من حظوظه ونوازع نفوسه وما بنيت عليه من النقائص والشهوات ، والعاصي طوع يدي الشيطان ، يصرفه في أغراضه كيف يشاء ، فيطيعه بغاية الشهوة مع علمه بعداوته ، وأن طاعته لا تكون إلا بمخالفة أمر الله الولي الودود ، وكان العاصي أكثر كثرة يكون الطائع فيها بالنسبة إليه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، وكان ذلك منابذًا للعقل ، أشار إلى هذه المنابذة بأداة من لا يعقل وإلى جميع ما في أمره من العجب بلدي فقال: ( ما لدي ) أي الأمر الذي عندي من الأمر المستغرب جدًا لكون المطيع عصاني ، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت