صفحة رقم 259
مطبوع على النقائص والحظوظ التي يرى أنها حياته ولذته وراحته ، والعاصي أعاطني وهو يعلم بعقله أني شر محض ، وترك الخير المحض وهو عالم بأن في ذلك هلاكه ) عتيد ) أي حاضر مهيأ لما يراد منه .
ولما كانت العادة جارية بأن من أحضر إليه شيء تبادر إلى أمهر بقوله أو فعل ، وصل بذلك ما هو نتيجته ، وبدأ بالعاصي لأن المقام له ، فقال ما يدل على أنه لا وزن له ، فلا وقفة في عذابه بحسباه ولا غيره ، مؤكدًا خطابًا للمؤكد بالإلقاء أ وخطابًا للسائق والشهيد ، أو السائق وحده مثنيًا لضميره تثنية للأمر كأنه قال: ألق ألق - تأكيدًا له وتهويلًا: ( ألقيا ) أي اطرحا دفعًا من غير شفقة ، وقيل: بل هو تثنية وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة ، فجرى كلام الواحد على صاحبه ، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلًا: يا صاحبيّ يا خليليّ ، والسر فيه إذا كان المخاطب واحدًا إفهامه أنه يراد منه الفعل بجد عظيم تكون قوته فيه معادلة لقوة اثنين ) في جهنم ) أي النار التي تلقى الملقى فيها بما كان يعامل به عباد الله من الكبر والعبوسة والتكره والتعصب ، ولما كان المقصود تعليل إلقائه بوصف يعم غيره ليكون لطفًا لمن أراد الله عصمته ممن سمع هذا المقال وحجة على من أراد الله إهانته: ( كل كفار عنيد ) أي مبالغ في تسر الحق والمعاداة لأهله من غير حجة حمية وأنفة نظرًا إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبرًا وتكبرًا على ما عند غيره ازدراء له كائنًا من كان ) مناع ) أي كثير المنع ) للخير ( من ) مريب ) أي داخل في الريب وهو الشك والتهمة في أمر الدين ، وموقع غيره فيه ، ثم أبدل من ( كل ) قوله بيانًا لمبالغته في الكفر الذي أوجب له كل شر ) الذي جعل ( كفرًا مضاعفًا وعنادًا ومنعًا للخير الذي يجب عليه في قلبه ولسانه وبدنه ، وتجاوزًا للحدود دخولًا في الشك وإدخالًا لغيره فيه ) مع الله ) أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ، فليس أمره خفيًا عن كل ذي عقل ) إلهًا ( ولما كان ربما تعنت متعنت متعنت فنزل الآية على من يدعو الله بغير هذا الاسم الأعظم ، صرح بالمراد بقوله: ( آخر ( وزاد الكلام أنه مأخوذ من التأخر الناظر إلى الرداءة والسقوط عن عين الاعتبار بالكلية .
ولما كان هذا قد جحد الحق الواجب لله لذاته مع قطع النظر عن كل شيء ثم ما يجب له من جهة ربوبيته وإنعامه على كل موجود ، ثم من جهة إدامة إحسانه مع المعصية بالحلم ، وعاند في ذلك وفي إثباته للغير ما لا يصح له بوجه من الوجوه ، سبب عن وصفه قوله: ( فألقياه في العذاب ) أي الذي يزيل كل عذوبة ) الشديد ( .