فهرس الكتاب
صفحة رقم 302
لا يتهم ربه في شيء من قضائه ) الرحيم ( المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته ، ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته .
ولما كان هذا مع تشويقه إلى الجنة والأعمال الموصله إليها وعظًا يرقق القلوب ويجلي الكروب ، سبب عنه قوله: ( فذكر ) أي جدد التذكير بمثل هذا لكل من يرجو خيره ودم على ذلك ، وسماه تذكيرًا لأنه مما يعلمه الإنسان إذا أمعن النظر من نفسه أو من الآفاق ، وعلل التذكير بقوله: ( فما أنت ) أي وأنت أشرف الناس عنصرًا وأكملهم نفسًا وأزكاهم خلائق هم بها معترفون لك قبل النبوة ) بنعمت ربك ) أي بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق وشرف النسب ، وأكد النفي بقوله: ( بكاهن ) أي تقول كلامًا - مع كونه سجعًا متكلفًا - أكثره فارغ وتحكم على المغيبات بما يقع خلاف بعضه .
ولما كان اللكاهن والمجنون اتصال بالجن ، أتبع ذلك قوله: ( ولا مجنون ) أي تقول كلامًا لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات ، فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلًاح وعما قليل يكون عيبًا لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم لك ، فمن اتبعك منهم غسل عاره ، ومن استمر على عناده استمر تبابه وخساره .
ولما كانت نسبته ( صلى الله عليه وسلم ) فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر بالحكمة إلى أنه أتى به عن الجن الذين طبعهم افساد مما لا ينبغي أن يتخيله أحد فضلًا أن يقوله له ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا يكاد يصدق أن أحدًا يرميه به ، فكان في طيه سؤال تقريع وتوبيخ ، نبه على ذلك بالعطف على ما تقديره: أيقولون هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول: ( أم يقولون ( ما هو أعجب في مجرد قوله فضلًا عن تكريره ، فأم معادلة للاستفهام قبلها لا مقطوعة ، وكذا جميع ما بعدها وهو معنى ما نقله البغوي عن الخليل أنه قال: ما في سورة الطور من ذكر( أم ) كله استفهام وليس بعطف .
)شاعر ( يقول كلامًا موزونًا بالقصد ، يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام الوزن قائله حتى يجعل اللفظ هو الأًل ويجعل المعنى تابعًا له ، فيأتي كثير من كلامه ناقص المعاني هلهل النسج مغلوبًا فيه على أمره معترفًا إذا وقف عليه بتقصيره متعذرًا مما زانه بهزعم من أوزانه ، وساق سبحانه هذا وكذا ما بعده من الأقسام على طريق الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة ، تنبيهًا على أن مثل هذا لا يقوله عاقل ، وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق:( نتربص ) أي ننتظر ) به ريب المنون ) أي حوادث الدهر من الموت وغيره القاطعة ، من المن وهو القطع .
ولما كان كأنه قيل لهم: إنهم ليقولون ذلك ، قال معلمًا جوابهم: ( قل تربصوا (