فهرس الكتاب
صفحة رقم 303
ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيهًا على أنه من السقوط بمنزلة لا يحتاج معها إلى رد مجادلة ، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله: ( فإني معكم( وأكده تنبيهًا على أنه يرجو الفرح بمصيبتهم كما يرجون الفرح بمصيبته وإن كانت كثرتهم وقوتهم عندهم مانعة من مثل هذا التربص ) من المتربصين ) أي العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك ، وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر خلاف ذلك ، قال القشيري: جاء في التفسير أن جميعهم - أي الذي تربصوا به - ماتوا ، قال: ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون هذه صفته إلا سبقته المنية ، ولا يدرك ما تمناه من الأمنية .
ولما كان قولهم هذا مما لا يقال أصلًا وإن قيل على بعده كان قوله كأنه على جهة سبق اللسان أو نحو ذلك ، نبه عليه بمعادلة ما تقديره: أقالوا ذلك ذهولًا: ( أم تأمرهم ) أي نزين لهم تزيينًا يصير مآلهم إليه من الانبعاث كالأمر ) أحلامهم ) أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه كان يقال فيهم: أولوا الأحلام .
والنهي ) بهذا ) أي وهم يعتقدون صحته وأنه العدل السواء لأنه متقيدون بالأحلام والنهي على ما فيه من الفساد بالتناقض بعد اختلال كل قول منه على حدته كما تقدم بيانه ، وهو توبيخ عظيم بالإشارة إلى أنه ليست لهم عقول أصلًا لقولهم هذا ، فإن الكاهن شرطه أن يكون في غاية المعرفة عندهم حتى أنهم يجعلونه حكمًا وربما عبدوه ، والمجنون لا يصلح لصالحة لأنه لا يعقل ، والشاعر بعيد الأمر بوزن الكلام وكثرته من سجع الكاهن وغيه وكلام المجنون: ( أم هم( بظواهرهم وبواطنهم ) قوم ) أي ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك ) طاغون ) أي مجازون للحدود ، وذلك عادة لهم بما أفهمه الوصف ، فهم لذلك لا يبالون بالعناد الظاهر في مخالفته لما تأمر به الأحلام والنهى ، ولا يقوله إلا الطغاة السفهاء مع ظهور الحق لهم ، فهم يقولون الكلام المتناقض غير مبالين بأحد ولا مستحيين من أن ينسبوا إلى العدوان والمبالغة في العصيان ، والآية من الاحتباك: ذكر الأحلام أولًا دليلًا على ضدها ثانيًا ، والطغيان ثانيًا على ضده ( العدل السواء ) أولًا ، وسره أن ما ذكر أشد تنفيرًا من السوء وأعظم تقبيحًا له وتحذيرًا منه ) أم يقولون ( ما هو أفحش عارًا من التناقض:( تقوله ) أي تكلف قوله من عند نفسه كذبًا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون ، وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعرافة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزونه عن مثله بل عن مثل شيء منه .
ولما كان الكلام حقيقة في النفس ، وكانوا يعلمون بطلان جميع ما يقولونه من ذلك ، كان التقدير: لم يقولوا شيئًا من ذلك حقيقة واعتقادًا ) بل لا يؤمنون ) أي لا يقرون بالحق مع علمه مببطلان قولهم وتناقضه عنادًا منهم لا تكذيبًا في الباطن .