صفحة رقم 507
أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف ، وذلك كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه ، قتل أباه عبد الله بن الجرح يوم أحد ) أو آبناءهم ( الذي جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة ، وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى ، فقال له رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) : ( متعنا بنفسك يا أبا بكر ، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري ) ) أو أخوانهم ( الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه ، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب ، فنهاه رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) وقال: أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير ) أو عشيرتهم ( الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه ، قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ، وعن الثوري أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان - انتهى .
ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير الله ، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصًا في إيمانه .
ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان ، أنتج قوله: ( أولئك ) أي الأعظمون شأنًا الأعلون هممًا ) كتب ) أي وصل وأثبت وصلًا وهو في لحمته كالخرز في الأديم ، وكالطراز في الثوب الرقيم ، فلا انفكاك له ) في قلوبهم الإيمان ( فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن واستقامة الأعمال في الظاهر ) وأيدهم ) أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم وعظمهم وشرفهم ) بروح ) أي نور شريف جدًا يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح للأبدان ، فلا يفعلون شيئًا من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة ، وزاد هذا التأييد شرفًا بقوله: ( منه ) أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرًا وباطنًا ، فقهروا بالدلائل والحجج ، وظهروا بالسيف المفني للمهج ، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج ، فلا تجد شيئًا