صفحة رقم 515
أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى مكرًا منهم ، أدغم في قوله: ( شاقوا الله ) أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة ، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين .
ولما جرى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال: ( ورسوله ( الذي إجلاله من أجلاله .
ولما أخبر بفعله وبسببه ، عطف عليه تأكيدًا لمضمونه وإفاده لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال: ( ومن يشاق الله ) أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا ، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنام كان ما فعلوا مكرًا ومساترة ، وذلك أخف من المجاهرة ، وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى ، ولم يعد ذكر الرسول تفخيمًا له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلًا ، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم ، فلم يظهر عليها غير الله ، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فإنه لم يمكر بهم ، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال ، فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى
77 ( ) وإذ يمكر بك الذين كفروا ( ) 7
[ الأنفال: 30 ] الآية وهو ( صلى الله عليه وسلم ) أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية ) فإن الله ) أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه ) شديد العقاب ( وذلك كما فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر ، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها ، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذابًا كما هو واضح .
ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين ، مع التأييد بالكتاب والحكمة ، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه ، ومن شاقه فقد شدد عقابه ، أتبعه بيا ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئًا ولا منعة لديهم فقال: ( ما ( وهي شرطية وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال:( قطعتم ) أي كل ما قطعتموه ، وبين ما في ( ما ) من الإبهام بقوله معبرًا عن النخل ، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ولان: