صفحة رقم 613
رزقه بيد الخلق فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برئ من القرآن ، ودل على عدم فقههم بقوله تعالى: ( يقولون ) أي يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره: ( لئن رجعنا ) أي نحن أيتها العصابة المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا فيها من نصرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع وهو اء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه - ) إلى المدينة ( ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم: ( ليخرجن الأعز( يعنون أنفسهم ) منها الأذل ( وهم كاذبون في هذا ، لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين ) ولله ) أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له وحده عز الإلهية ) العزة ( كلها ، فهو قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه .
ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول ، أخبر أنه يعطي منها من أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله: ( ولرسوله ( لأن عزته من عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله ، وكذلك أيضًا أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله:( وللمؤمنين ) أي الذين صار الإيمان لهم وصفًا راسخًا لأن عزتهم بعزة الولاية ، ونصر الله إياهم عزة لرسولهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل .
ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن تابعه رضي الله عنهم وإعلائهم على كل من ناواهم ، قال منبهًا على ذلك: ( ولكن المنافقين ) أي الذي ساتحكم فيهم مرض القلوب .
ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على ولا المنازعة فيه ، ومن المنع نم أكثر المرادات ، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك ، وبأنه سبحانه ما قال شيئًا إلا تم ولا قالت الرسل شيئًا إلا صدقهم فيه ، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال: ( لا يعلمون ) أي لا لأحد لهم علم الآن ، ولا يتجدد في حين من الأحيان ، فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف ، وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسبببه إلى أبيه ، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال: أنت والله الذليل ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) العزيز ، ولما دنوا من المدينة الشريف جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته .
وزجرها إلى ورائها وقال: إياك وراءك والله لا تدخلها حتى يأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولئن لم تقر بأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك ، قال: أفاعل أنت ؟ قال: نعم ، قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وشكا ولده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأمره أن يدعه يدخل المدينة ، فأطلق فدخل .