فهرس الكتاب
صفحة رقم 230
حرها جزاء على تفكيره ، هذا الذي قدره وتخيله وصوره بإدارته في طبقات دماغه ليحرق أكباد أولياء الله وأصفيائه .
ولما أثبت له هذا العذاب عظمه وهوله بقوله: ( وما أدراك ) أي أعلمك وإن اجتهدت في البحث ) ما سقر ( يعني أن علم هذا خارج عن طوق البشر لا يمكن أن يصل إليه أحد منهم بإعلام الله له لأنه أعظم من أن يطلع عليه بشر .
ولما أثبت لها هذه العظمة ، زادها عظمًا ببيان فعلها دون شرح ماهيتها فقال: ( لا تذر ) أي تترك على حالة من الحالات ولو كانت أقبح الحالات فضلًا عما دونها ، بل هي دائمة الإهلاك لكل ما أذن فيه والتغيير لأحوال ما أذن لها في عذابه ، ولم يؤذن في محقه بالكلية ، لكل شيء فترة وملال دونها .
ولما كان تغير حال الإنسان إلى دون ما هو غليه غائطًا له موجعًا إذا كان ذلك تغير لونه لأن الظاهر عنوان الباطن ، قال الله تعالى دالًا على شدة فعلها في ذلك: ( لواحة ) أي شديدة التغيير بالسواد والزرقة واللمع والاضطراب والتعطيش ونحوها من الإفساد من شدة حرها ، تقول العرب: لاحت النار الشيء - إذا أحرقته وسودته ) للبشر ) أي للناس أو لجلودهم ، جمع بشرة وجمع البشر أبشار ) عليها ) أي مطلق النار بقرينة ما يأتي من الخزنة ) تسعة عشر ) أي ملكًا ، لطبقة المؤمنين وهي العليا ملك واحد ، وللست الباقية ثمانية عشر ، لكل واحدة ثلاثة ، لأن الواحد يؤازر بثان ، وهما يعززان بثالث ، فلذا والله أعلم كانوا ثلاثة ، أو لأن الكفر يكون بالله وكتابه ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكان لكل تكذيب في كل طبقة من طبقاتها الست ملك أو صنف من الملائكة ، وعلى الأول في كونهم أشخاطًا بأعيانهم أكثر المفسرين ، وقد علم مام مضى أنهم غلاظ شداد كل واحد منهم يكفي لأهله الأرض كلهم كما أن ملكًا واحدًا وكل بقبض جميع الأرواح ، وجاء في الآثار أن أعينهم كالبرق الخاطف ، وأنيابهم كالصياصي ، يخرج لهب النار من أفواههم ، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، نزعت منهم الرحمة ، يدفع أحدهم سبعين ألفًا فيرميهم حيث أراد من جهنم ، قال عمرو بن دينار: إن واحدًا منهم يدفع بالدفعة الواحدةأكثر من ربيعة ومضر .
وقيل: إن هذه العدة لمكافأة ما في الإنسان من القوى التي بها ينتظم قوامه ، وهي الحواس الخمس الظاهرة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، والخمس الباطنة: المتخيلة والواهمة والمفكرة والحافظة والذاكرة ، وقوتا الشهة والغضب ، والقوى الطبيعية السبع: الماسكة والهاضمة والجاذبة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة ، وقيل: اختير هذا العدد لأن التسعة نهاية الآحاد ، والعشر بداية