فهرس الكتاب

الصفحة 4607 من 4996

صفحة رقم 235

وقد قال إنه هو الهادي المضل ) يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ( ) لمن شاء ) أي بإرادته ، وصرح بالمقصود لئلا يتعنت متعنتهم فيقول: المراد غيرنا ، فقال: ( منكم ) أي أيها المعاندون ) أن يتقدم ) أي إلى الخيرات ) أو يتأخر ) أي عنها فيصل إلى غضب الله تعالى والنار التي هي أثر غضبه ، التي جعل ما عندنا من مؤلم الحر ومهلك البرد متأثرًا عن نفسيها تذكيرًا لنا ورحمة بنا ، وحذف المفعول لأن استعماله كثير حتى صار يعرف وإن لم يذكر ، وترجمة ذلك: لمن شاء أن يتقدم التقدم بما له من المكنة والاختيار في ظاهر الأمر ، ولمن شاء أن يتأخر التأخر ، و ) أن يتقدم ( مبتدأ ، وهو مثل( لمن يتوضأ أن يصلي ) ويجوز أن تكون الجملة بدلًا من ( للبشر ) على طريق الالتفات من الغائب إلى الحاضر ليصير كل مخاطب به كأنه هو المقصود بذلك بالقصد الأول فيتأمل المعنى في نفسه فيجده صادقًا ثم يتأمل فلا يجد مانعًا من تعديته إلى غيره من جميع البشر ، ويكون ( أن ) والفعل على هذا مفعولًا ل ( شاء ) .

ولما كان التقدم والتأخر بالأفعال ، وكان أكثر أفعال الإنسان الشر لما جبل عليه من النقصان ، قال مبينًا لما يقدم وما يؤخر ) كل نفس ) أي ذكر أو أنثى على العموم ) بما كسبت ) أي خاصة لا بما كسب غيرها ) رهينة ) أي مرتهنة بالفعل ، اسم بمعنى .

الرهن كما في قول الحماسي:

أبعد الذي بالعنف نعف كويكب رهينة رمس ذي تراب وجندل

لا تأنيث ( رهين ) الذي هو وصف ، لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي مذكره ومؤنثه ، ولو كانت الفواصل التي يعبرون بها عن السجع تأدبًا تراعى في القرآن بوجه لقيل: رهين - لأجل يمين ، ولكن لا نظر فيه لغير المعنى ، ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة بمعنى موثقة إيثاقًا بليغًا محبوسة حبسًا عظيمًا فهي في النار ، فجعل الأصل في الكسب الموثق .

ولما كان الرهن تارة يفك وتارة يغلق ، وكان أكثر الخلق هالكًا ، جعل رهينة بمعنى هالكة ، ثم استثنى الممدوح فقال: ( إلا أصحاب اليمين ) أي الذين تقدم وصفهم وهم الذين تحيزوا إلى الله فائتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه ، فإنهم لا يرتهنون بأعمالهم ، بل يرحمهم الله فيقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم .

ولما أخرجهم عن حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه ، استأنف بيان حالهم فقال: ( في جنات ) أي بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا ، فالآية من الاحتباك: أثبت أولًا الارتهان دليلًا على حذف ضده ثانيًا ، وأثبت ثانيًا الجنة دليلًا على حذف ضدها أولًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت