صفحة رقم 265
الأنفس والآفاق ، وجعلنا له من البصيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام الخالق والحق والبطال وما أشبهه .
ولما كان الإنسان عند البيان قد كان منه قسمان ، وكان السياق لبيان تعظيمه بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق ، قال بانيًا حالًا من ضميره في ( هديناه ) مقسمًا له مقدمًا القسم الذي أتم عليه بالبيان نعمة الهداية بخلق الإيمان ، لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه للإنسان ، بجعله خلاصة الوجود وبقوله: ( إن رحمتي سبقت غضبي ) في سياق ابتداء الخلق ، معبرًا باسم الفاعل الخالي من المبالغة ، لأنه لا يقدر أحد أن يشكر جميع النعم ، فلا يسمى شكورًا إلا بتفضل من ربه عليه: ( إما شاكرًا ) أي لإنعامه ربه عليه .
ولما كان الإنسان ، لما له نم النقصان ، لا ينفك غالبًا عن كفر ما ، أتى بصيغة المبالغة تنبيهًا له على ذلك معرفًا له أنه لا يأخذه إلاّ بالتوغل فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على من يرضى منه بقليل الشكر ، ويحتمل أن يفهم ذلك أن من كفر نعمة واحدة فقد كفر الجميع فصار بليغ الكفر فقال: ( وأما كفورًا ) أي بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة ، وبدأ بالشكر لأنه الأصل ، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال: ( كل مولود يولد على الفطرة بأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) الحديث ، ورواه أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ورواه الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه ولفظه: ( كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا ) رواه الإمام أحمد أيضًا وأبو يعلى عن الأسود بن سريع رضي الله عنه .
الإنسان: ( 4 - 9 ) إنا أعتدنا للكافرين. .. . .
)إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلًا وَسَعِيرًا إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ