فهرس الكتاب

الصفحة 4638 من 4996

صفحة رقم 266

وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا ) 73

ولما قسمهم إلى القسمين ، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفًا جواب من يسأل عن ذلك مبشرًا لشاكر الذي اتعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات لروح وريحان وجنة نعيم ، ومنذرًا للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم ، مقدمًا للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح ، وليعادل البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء ، وليكون الشاكر أولًا وآخرًا ، ولأن الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية ، وأكثر في القرآن العظيم من الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس دون الحجج والبراهين ، فإنها لا يفهمها إلا الخواص ، وأكد لأجل تكذيب الكفار: ( إنا ) أي على ما لنا من العظمة ) أعتدنا ) أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة ) للكافرين ) أي العريقين في الكفر خاصة ، وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ترقيًا فقال: ( سلاسلًا( يقادون ويرتقون بها ، وقراءة من نوّن مشيرة إلى أنها عظيمة جدًا ، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف ) وأغلالًا ) أي جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون بها ) وسعيرًا ) أي نهارًا حامية جدًا شديدة الاتقاد .

ولما اوجز في جزاء الكافر ، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه تأكيدًا للترغيب ، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف بأتمه وأجله ، فقال مستنأفًا مؤكدًا بتكذيب الكافر مبينًا بذكر الخمر على هذه الصفة أنهم في أنها ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع مقدماتها ومتمماتها: ( إن الأبرار( بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب جمع رب ، أو بار كأشهاد جمع شاهد ، وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا ) يشربون ) أي ما يريدون شربه ) من كأس ) أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه ) كان مزاجها ) أي الذي تمزج به ) كافورًا ) أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه ، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأنًا في الزج عظيمًا يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد .

ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامدًا ، بين أنه هناك ليس كذلك ، فقال مبدلًا من ( كافور ) : ( عينًا يشرب بها ) أي بمزاجها كما تقول: شربت الماء بالعسل ) عباد الله ) أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب أرادوه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت