صفحة رقم 304
ولما ذكر المساكن النزهة المؤنقة المعجبة ، ذكر ما يتمتع به وهو جامع لألذاذ الحواس: البصر واللمس والذوق فقال: ( وكواعب ) أي نساء كعبت ثديهن ) أترابًا ) أي على سن واحد من مس جلد واحد التراب قبل الأخرى ، بل لو كن مولودات لكانت ولادتهن في آن واحد .
ولما ذكر النساء ذكر الملائم لعشرتهن فقال: ( وكاسًا ) أي من الخبر التي لا مثل لها في لذة الذوق ظاهرًا وباطنًا وكمال السرور وإنعاش القوى .
ولما كانت العادة جارية بأن الشراب الجيد يكون قليلًا ، دل على كثرته دليلًا على جودته بقوله: ( دهاقًا ) أي ممتلئة .
ولما كانت مجالس الخمر في الدنيا ممتلئة بما ينغصها من اللغو والكذب إلا عند من لا مروءة له فلا ينغصه القبيح ، قال نافيًا عنها ما يكدر لذة السمع: ( لا يسمعون فيها ) أي الجنة في وقت ما ) لغوًا ) أي لغطًا يستحق أن يلغى لأنه ليس له معنىً أعم من أن يكون مهملًا ليس له معنى أصلًا ، أو مستعملًا ليس له معنىً موجود في الخارج وإن قل ، أو له معنى ولكنه لا يترتب به كبير فائدة .
ولما انتفى الكذب بهذه الطريقة ، وكان التكذيب أذى للمكذب ، نفاه بقوله: ( ولا كذبًا ( فإن هذه الصيغة تقال على التكذيب ومطلق الكذب ، فصار المعنى: ولا أدىً بمعارضة في القول ، مع موافقة قراءة الكسائي بالتخفيف فإن معناها كذبًا أو مكاذبة ، وشدد في قراءة الجماعة لرشاقة اللفظ وموازنة( أعنابًا وأترابًا ) مع الإصابة لحلق المعنى من غير أدنى جور عن القصد ولا تكلف بوجه ما .
النبأ: ( 36 - 40 ) جزاء من ربك. .. . .
)جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابًا رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يلَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (( )
ولما كان العطاء إذا كان على المعاوضة كان أطيب لنفس الآخذ قال: ( جزاء ( وبين أنه ما جعله جزاء لهم إلا إكرامًا للنبي( صلى الله عليه وسلم ) فإنه سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء لأن أحدًا لا يمكنه أن يوفي شكر نعمة من نعمه فإن عمله من نعمه فقال: ( من ربك ) أي المحسن إليك بإكرام أمتك بانواع الإكرام ، وفي ) عطاء ( إشارة إلى ذلك وهو بذل من غير جزاء ) حسابًا ) أي على قدر الكفاية وإن فعل الإنسان منهم ما فعل وحسب جميع أناوع الحساب ، ومن قولهم: أعطاه فأحسبه إذا تابع عليه العطاء وأكثره حتى