صفحة رقم 345
وذلك يقتضي البعد والاحتراق ، وصفه بما هو لازم له فقال: ( رجيم ) أي مرجوم باللعن وغيره من الشهب لأجل استراق السمع مطرود عن ذلك ، لأن القائل له ليس بكاهن كما تعلمون ، وبقي مما قالوه السحر وهو لا يحتاج إلى نفيه لأنه ليس بقول ، بل هو فعل صرف أو قول مقترن به ، والأضغاث وهي لذلك واضحة العوار فلم يعدها ، فمن علم هذه الأوصاف للقرآن والرسولين الآتيين به الملكي والبشري أحبه وأحبهما ، وبالغ في التعظيم والإجلال ، وأقبل على تلاوته في كل أوقاته ، وبالغ في السعي في كل ما يأمر به والهرب مما ينهى عنه ، ليحصل له الاستقامة رغبة في مرافقة من أتى به ورؤية من أتى من عنده .
ولما لم يدع وجهًا به على من لا يعرف حاله ( صلى الله عليه وسلم ) ، سبب عنه قوله موبخًا منكرًا: ( فأين تذهبون ) أي بقلوبكم عن هذا الحق المبين يا أهل مكة المجعين لغاية الفطنة وقد علمتم هذا الحفظ العظيم في الرسولين الملكي والبشري فمن أين يأتي ما تدعون من التخليط في هذا الكتاب العظيم الذي دل على حفظه ببرهان عجزكم عن معارضة شيء منه ؟ وهو استضلال لهم واستجهال على أبلغ وجه في كل ما كانوا ينسبونه إليه بحيث صار ضلالهم معروفًا لا لبس فيه .
ولما كان الحال قد صار في الوضوح إلى أنه إذا نبه صاحبه بمثل هذا القول نظر أدنى نظر ، فقال من غير وقفة: لا أين ، قال: ( إن ) أي ما ) هو ) أي القرآن الذي أتاكم به ) إلا ذكر للعالمين ) أي شرف للخق كلهم من الجن والإنس والملائكة وموعظة بليغة عظيمة لهم .
ولما تشرف الوجود كله بإظهاره فيه نوع تشرف ، أطلق هذه العبارة .
ولما كان الذي ثم شرفه المهتدي ، فكان الوعظ والشرف إنما هو له في الحقيقة قال: ( لمن شاء منك ) أي أيها المخاطبون ) أن يستقيم ) أي يطلب القوم ويوجده .
ولما كان ذلك ربما تعنت به المتعنت في خلق الأفعال ، قال نافيًا لاستقلالهم ومثبتًا للكسب: ( وما تشاءون ) أي أيها الخلائق الاستقامة ) إلا أن يشاء الله ) أي الملك الأعلى الذي لا حكم لأحد سواه مشيئتكم ، وإن لم يشأها لم تقدروا على مشيئة ، فادعوه مخلصين له الدين يشأ لكم ما يرضيه فيفقكم إليه ، وعن وهب بن منبه أنه قال: الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بضع وتسعون كتابًا قرأت منها بضعًا وثمانين كتابًا فوجدت فيها: من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر انتهى .
ومن تأمل هذه الآية أدنى تأمل علم أن كلام المعتزلة بعدها في القدر دليل على أن الإنسان إذا كان له هوىً لا يرده شيء أصلًا
77 ( ) ومن يضلل الله فما له من هاد ( ) 7
[ الرعد: 33 ] .