صفحة رقم 360
سوداء فإن تاب صقل منها ، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي قال الله سبحانه وتعالى ) وقال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته عن اتباع الشهوات ، وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآه الصقيلة ، فإن تراكمت ظلمة الشهوات صار رينًا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثًا ، فإذا تراكم الرين صار طبعًا كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل التصقيل بعده ، وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو تلك الآثار التي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصورة في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الآثار ، وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة ، وإليه الإشارة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( واتبع السيئة الحسنة تمحها ) ولما كان ادعاؤهم إنما هو قول قالوه بأفواههم لا يتجاوزها عظيمًا جدًا ، أعاد ردعهم عنه وتكذيبهم فيه فقال: ( كلا ) أي ليس الأمر كما قالوا من الأساطير لا في الواقع ولا عندهم فليرتدعوا عنه أعظم ارتداع .
ولما كان قول الإنسان لما لا يعتقده ولا هو في الواقع كما في غاية العجب لا يكاد يصدق ، علله مبينًا أن الحامل لهم عليه إنما هو الحجاب الذي ختم به سبحانه على قلوبهم ، فقال مؤكدًا لمن ينكر ذلك من المغرورين: ( إنهم عن ربهم ) أي عن ذكر المحسن إليهم وخشيته ورجائه ) يومئذ ) أي إذ قالوا هذا القول الفارغ .
ولما كان المانع إنما هو الحجاب ، بني للمفعول قوله: ( لمحجوبون ( فلذلك استولت عيلهم الشياطين والأهوية ، فصاروا يقولون ما لو عقلت البهائم لاستحيت من أن توقوله ، والأحسن أن تكون الآية بيانًا وتعليلًا لويلهم الذي سبق الإخبار به ، ويكون التقدير: يوم إذ كان يوم الدين ، ويكون المراد الحجاب عن الرؤية ، ويكون في ذلك بشارة للمؤمنين بها .
وقال البغوي: قال أكثر المفسرين: عن رؤيته ، وقال: إن الإمامين الشافعي وشيخه مالكًا استدلا بهذه الآية على الرؤية ، وأسند الحافظ أبو نعيم في الحلية في ترجمة الشافعي أنه قال: في هذه الآية دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته ، وقال ابن الفضل: كما