صفحة رقم 359
ولما أخبر عن ويلهم ، وصفهم بما يبين ما كذبوا به ويبلغ في ذمهم فقال: ( الذين يكذبون ) أي يوقعون التكذيب لكل من ينبغي تصديقه ، مستهينين ) بيوم ) أي بسب الإخبار بيوم ) الذين ) أي الجزاء الذي هو سر الوجود ) وما ) أي والحال أنه ما ) يكذب ) أي وقع التكذيب ) به إلا كل معتد ) أي متجاوز للحد في العناد أو الجمود والتقليد لأن محطة نسبة من ثبت بالبراهين القاطعة أنه على كل شيء قدير إلى العجز عن إعادة ما ابتدأه ) أثيم ) أي مبالغ في الانهماك في الشهوات الموجبة للآثام ، وهي الذنوب ، فاسود قلبه فعمي بنظر الشهوات التي حفت بها النار عما عداها .
المطففين: ( 13 - 17 ) إذا تتلى عليه. .. . .
)إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (( )
ولما أثبت له الإبلاغ في الإثم ، دل عليه بقوله بأداة التحقق: ( إذا تتلى ) أي من أي تال كان ، مستعلية بما لها من البراهين ) عليه آياتنا ) أي العلامات الدالة على ما أريد بيانها له مع ما لها من العظمة بالنسبة إلينا ) قال ) أي من غير توقف ولا تأمل بل بحظ نفس أوقعه في شهة المغالبة التي سببها الكبر: ( أساطير الأولين ) أي من الأباطيل وليست كلام الله ، فكان لفرظ جهله بحيث لا ينتفع بشواهد النقل كما أنه لم ينظر في دلائل العقل .
ولما كان هذا قد صار كالأنعام في عدم النظر بل هو أضل سبيلًا لأنه قادر على النظر دونها ، قال رادعًا له ومكذبًا ومبينًا لما أدى به إلى هذا القول وهو لا يعتقده: ( كلا ) أي ليرتدع ارتداعًا عظيمًا ولينزجر انزجارًا شديدًا ، فليس الأمر كما قال في المتلو وهو معتقد له اعتقادًا جازمًا لأنه لم يقله عن بصيرة ) بل ران ) أي غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء والصدأ للمرآة ، وجمع اعتبارًا بمعنى ( كل ) لئلا يتعنت متعنت ، فقال معبرًا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرتهم: ( على قلوبهم ) أي كل من قال هذا القول ) ما كانوا ) أي بجلاتهم الفاسدة ) يكسبون ) أي يجددون كسبه مستمرين عليه نم الأعمال الردية ، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا ، فيتراكم الذنب على القلب فيسود ، فلذلك كانوا يقولون مثل هذا الإعتقاد ، بل هو شيء يسدون به المجلس ويقيمون لأنفسهم عند العامة المعاذير ويفترون به عزائم التاليين بما يحرقون من قلوبهم أحرق الله قلوبهم وبيوتهم بالنار فإنهم لا ينقطعون في عصر من الأعصار ولا يخشون من عار ولا شنار ، روي أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبير هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال: ( إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة