فهرس الكتاب

الصفحة 4801 من 4996

صفحة رقم 429

ولما كان الإنسان لا يفتخر بالإنفاق إلا إذا أفضى إلى الإملاق ، فعلم أن مراد الإشارة إلى أن معه أضعاف ما أنفق من حيث إنه حقره بلفظ الإهلاك ، إشارة إلى الثانية والثالثة من شهواته النفسية وهما إرادته أن يكون له الفخار والامتنان على جميع الموجودات ، وإرادته أن يكون عنده من الأموال ما لا تحيط به الأفكار ولا تحويه الأقطار - كما يشير إليه حديث ( لو أن لابن آدم واد من ذهب ) و ( لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) علل سبحانه وتعالى جهله في حسابه ذلك وما تبعه بقوله: ( يقول ) أي مفتخرًا بقدرته وشدته: ( أهلكت مالًا لبدا ( ولقصد المبالغة في كثرته جاءت قراءة أبي جعفر بالتشديد على أنه جمع لا بد كركع وراكع فأفهمت أنه بحيث لا يحصى ، بل لو جمع لم تسعه الأرض إلا بأن يكون بعضه على بعض فلا يعد ولا يحد ، أي وذلك قليل من الكثير الذي معي ، قلدت به أعناق الرجال المنن ، واستعبدت به الأحرار في كل زمن ، فصرت بحيث إذا دعوت كثير الملبي ، وإذا ناديت كثير المجيب ، وإذا أمرت عظم الممتثل ، وفاء لصنائعي الماضية ورغبة في نعمي الباقية ، فمن يستعصي عليّ ومن يخالف أمري ، فضلًا عن أن يريد إخمال ذكري أو نقص قدري .

ولما كان الشيء لا يعني إلا إذا كان مجهولًا ولو من بعض الجهات ، أنكر عليه هذا الظن تقدير وقوعه فإنه لا يوصل إلى ما ظنه إلا به ، بقوله مشيرًا إلى النفسية الرابعة ، وهي أن تكون أموره مستورة فلا يظهر على غيه أحد أصلًا: ( أيحسب ) أي هذا الإنسان العنيد بقلة عقله ) أن لم يره ) أي بالبصر ولا بالبصيرة في الزمن الماضي ) أحد ) أي في عمله هذا سره وجهره وجميع أمره ، فينقص جميع ما عمل إذا أراد ، وكل ما فاته من آثار هذه الشهوات الأربع ، وهو لا يزال فائتًا له ، كان من إرادة تحصيله في نكد ومعاناة وكبد بحيث يرمي نفسه من المساؤئ أعمال من يظن أنه لا يطلع عليه ، فلذلك نبهه الله تعالى بأنواع التنبيه ليأخذ حذره ويحرز عمره .

ولما أنكر عليه سبحانه وتعالى هذه النقائص قرره على ما أوجب شهوته الحسية المتفرعة إلى أنواع بما يستلزم أن يكون فاعله له المانّ عليه به من بعض فيضه ، عالمًا بجميع أمره قادرًا على نفعه وضره بنفسه وبمن أراد من جنده ، فقال مشيرًا إلى ما يترتب على نظر العين الباصرة الجائلة في العالم الحسي ونظر عين البصيرة الجائلة في العالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت