فهرس الكتاب

الصفحة 4802 من 4996

صفحة رقم 430

المعنوي من شهوته أن يحصل على كل ما يراه بعين باصرته ويعلمه بعين بصيرته من مليح ، ويخلص من كل ما يراه من قبيح ، ومذكرًا له بما كان يجب عليه من الشكر باستعمال هذه المشاعر فيما شرع له وكفها عما منع الله منه: ( ألم نجعل ) أي بما لنا من العظمة التي لا يمكن أحدًا أن يضاهيها ولا يقرب منها ) له عينين ( يبصر بهما وإلا لتعطل عليه أكثر ما يريد ، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاثة على مقدار مناسب لا يزيد إحداهما على الأخرى شيئًا وقدرنا البياض والسواد أو الزرقة أو الشهلة أو غير ذلك على ما ترون ، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها .

ولما قدره سبحانه على ما ينشأ عنه شهوتا تحصيل المليح ونفي القبيح ، اتبع ذلك ما ينشأ شهوتا الأمر والنهي وأنواع الكمالات الكمالية فقال: ( ولسانًا ) أي يترجم به عما في ضميره ) وشفتين ) أي يستران فاه ويعينانه على الأكل والشرب وعلى النطق بفصاحة وبلاغة على حد معلوم لا يبلغه غيره ، فيجتمع له أمره ويصل إلى مقاصد جمة وأهوال مهمة ، ولم يذكر السمع لأن الكلام يستلزمه ، والمعنى: ألسنا قادرين بالقدرة التي جعلنا له بها ما ذكر على أن نجعل لغيره مثل ما جعلنا له وأكثر فيقاومه ويغلبه .

ولما كان لله تعالى على كل أحد في كل لمحة جديدة في إبقاء هذه الآلات الثلاث ، عبر فيها بالمضارع ، ولما كانت النعمة في العقل إنما هي بهبته أولًا ثم بحمله به على الخير ثانيًا ، وكان أمره خفيًا ، وكان من المعلوم أن كل أحد غير مهدي في كل حركاته وسكناته إلى ما يسعده ، بل كان هذا المنكر عليه لم يؤهل لطريق الخير ، اختير له لفظ الماضي لذلك تحقيقًا لكونه وجعله غريزة لا تتحول وطبيعة لا تتبدل ، بل هي غالبة على صاحبها ، قائدة إلى مضارة أو محابة ومسارة وإن كره ، وهو السبب الذي يكون به الخلاص من شر تلك الأنكاد في دار الإسعاد فقال تعالى: ( وهديناه ) أي بما آتيناه من العقل ) النجدين ) أي طريقي الخير والشر ، وصار بما جعلناه له من ذلك سميعًا بصيرًا عالمًا فصار موضعًا للتكليف ، روى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، يا أيها الناس إنما هما نجدان: نجد خير ونجد شر ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ) قال المنذري: النجد هنا الطريق - انتهى .

وهو طريق في ارتفاع ، عبر عن الخير والشر به لإعلائهما الإنسان عن رتبة باقي الحيوان ، ولأن الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت