صفحة رقم 453
بما يفهم إخلاصه لأنه ليس لأشرف ما فيه اسم يخصه فقال: ( والّيل ) أي الذي به تمام الصلاة ؛ ولما كان أوله وآخر النهار وآخره وأول النهار ضوءًا ممتزجًا لظلمة لالتفات ساق الليل بساق النهار ، قيد بالظلام الخالص فقال: ( إذا سجى ) أي سكن أهله أو ركد ظلامه وإلباسه وسواده واعتدل لخفلص فغطى بظلامه كل شيء ، والمستجي: المتغطي ، ومع تغطيته سكنت ريحه ، فكان في غاية الحسن ، ويمكن أن يكون الأول مشيرًا إلى ما يأتي به هذا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من المحكم ، والثاني مشيرًا إلى المتشابه ، وهذا الأربعة الأحوال للنور والظلمة - وهي ضوء ممتزج بظلمة ، وظلمة ممتزجة بضوء ، وظلام خالص - الحاصلة في الآفاق في الإنسان مثلها ، فروحه نور بنور القلب ، فإن قويت شهوة النفس على نورانية القلب أظلم جميعه ، وإن قويت نورانية القلب على ظلمة النفس صار نورانيًا ، وإن غلب الروح على الطبع تروحن فارتفع عن رتبة الملائكة ، وإن غلب الطبع على الروح أنزله عن رتبة البهائم كما قال تعالى:
77 ( ) إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا ( ) 7
[ الأعراف: 179 ] .
ولما أقسم بهذا القسم المناسب لحاله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أجابه بقوله تعالى: ( ما ودعك ) أي تركك تركًا يحصل به فرقة كفرقة المودع ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع ) ربك ) أي الذي أحسن إليك بإيجادك أولًا ، وجعلك أكمل الخلق ثانيًا ، ورباك أحسن تربية ثالثا ، كما أنه لا يمكن توديع الليل للنهار بل الضحى للنهار الذي هو أشد ضيائه ، ولا يمكن توديع الضحى للنهار ولا الليل وقت سجوه له .
ولما كان ربما تعنت متعنت فقال: ما تركه ولكنه لا يحبه ، فكم من مواصل وليس بواصل ، قال نافيًا لكل ترك: ( وما قلى ) أي وما أبغضك بغضًا ما ، وحذف الضمير اختصارًا لفظيًا ليعم ، فهو من تقليل اللفظ لتكثير المعنى ، وذلك لأنه كان انقطاع عنه الوحي مدة لأنهم سألوه عن الروح وقصة أهل الكهف وذي القرنين فقال: ( أخبركم بذلك غدًا ) ، ولم يستثن ، فقالوا: قد ودعه ربه وقلاه ، فنزلت لذلك ، ولما نزلت كبر ( صلى الله عليه وسلم ) فكان التكبير فيها وفيما بعدها سنة كما يأتي إيضاحه وحكمته آخرها ، وقد أفهمت