صفحة رقم 487
ولما كان الحال غير محتاج إلى أكثر من التأكذ لإيقاع الفعل ، عبر بالحقيقة ولم ينقلها إشارة إلى أن هذا الناهي أقل منأن يحتاج فيه غلى فعل شديد ، بل أقل نفحة من العذاب تكفي في إهلاكه ، وما كان أصل التأكيد إلاّ تطيببًا لقلوب الأولياء وتكذيبًا للأعداء فقال: ( لنسفعًا ) أي والله لنأخذن ونقبضن قبضًا وأخذًا بشدة وعنف مع الجر والاجتذاب واللطم والدفع والغيظ أخذ من يعض مأخوذه ويذله ويسود وجهه ويقذره ) بالناصية ) أي بالشعر الذي في مقدم رأسه وهو أشرف ما فيه ، والعرب لا تأنفس من شيء أنفتهم من أخذ الناصية ، وإذا انتهكت حرمة الأشرف فما بالك بغيره ، واستغنى بتعريف العهد عن الإضافة .
ولما كان من المعلوم أن من صار في القبضة على هذه الهيئة المهينة المزرية فهو هالك ، اغتنى به عن أن يقول: ولنسحبنه بها على وجهه إلى النار ، ووصفها بما يدل على ذلك فقال مبدلًا لأن البدل وصف بما قربه من المعرفة: ( ناصية ) أي عظيمة القبح ) كاذبة ) أي متعمدة للكذب ) خاطئة ( فهي صادر عنها الذنب من الكذب وغيره من غير تعمد ، فأغلب أحوالها على غير صواب تارة عن عمد وتارة عن غير عمد ، وما ذاك إلا لسوء جبلة صابحها حتى كاد لا يصدر عنه فعل سديد ، ووصفها بما هو لصاحبها على الإسناد المجازي مبالغة في تكذيبه في أنه لا يقدر على منع المهتدي أو إذلاله أو شيء من أذاه إلا إن أذن له صاحب الأمر كله فيما يكون سببًا لزيادة رفعته ، وفي العدول عن الحقيقة ، كأن يقال: ناصية كاذب خاطئ ، بالإضافة إلى هذا المجاز ، من الجزالة والفخامة والجلالة ما لا يخفى .
ولما كان هذا هو غاية الإهانة ، وكان الكفار إنما يقصدون بأعراضهم الشماخة والأنفة والعز عن أن يكونوا أتباعًا أذنابًا ، وإنما عزهم بقومهم ، وأقرب من يعتز به الإنسان أهل ناديه ، وهم القوم الذين يجتمعون نهارًا ليحدث بعضهم بعضًا ويستروح بعضهم إلى بعضهم لما عندهم من التصافي لأنهم لا يتركون أشغالهم نهارًا ويجتمعون لذلك إلا عن ذلك ، قال تعالى مسببًا عن أخذه على هذا الوجه المزري: ( فليدع ) أي دعاء استغاثة ) ناديه ) أي القوم الذي كانوا يجتمعون معه نهارًا يتحدثون في مكان ينادي فيه بعضهم بعضًا من أنصاره وعشيرته ليخلصوه مما هو فيه ، والذي نزلت فيه هو أبو جهل ، قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا .
ولما كان كأنه قيل: فلو دعا ناديه يكون ماذا ؟ قال: ( سندع ) أي بوعد لا خلف فيه ) الزبانية ) أي الأعوان الموكلين بالنار ليجروه إليها ، وهم في الأصل الشرط ، الواحد زبنية كهبرية ، من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسبة ، أصلها زباني والتاء