صفحة رقم 488
عوض عن الياء ، وهم كل من عظم خلقه ، واشتد بطشه ، وقد اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من هذا الفعل خطأ ، ولا موجب لحذفه من العربية لفظًا ، وكأن المعنى في ذلك - والله أعلم - أن لا يظن أنهم دعوا لرفعة لهم في ذواتهم يستعان بهم بسببها لأن معنى الواو عند الربانيين العلو والرفعة ، إشارة إلى أنهم لا قوة لهم إلا بالقوي العزيز ، أو يقال: إن الحذف دال على تشبيه الفعل بالأمر ليدل على أن هذا الدعاء أمر لا بد من إيقاع مضمونه ، ومن إجابة المدعوين إلى ما دعوا إليه ، وأن ذلك كله يكون على غاية الإحكام ، والاتساق بين خطه ومعناه والانتظام ، لا سيما مع التأكيد بالسين ، الدال على تحتم الاتحاد والتمكين ، أو يكون المعنى: إنا ندعوهم بأيسر دعاء وأسهل أمر ، فيكون منهم ما لا يطاق ولا يستطاع دفاعه بوجه ، فكيف لو أكدنا دعوتهم وقوينا عزمتهم .
ولما كان الذي تقدم نهي الناهي للمصلي والسفع بناصيته إن لم ينته وأمره بدعاء ناديه ، وكان الحكم في الأول أنه لا يجيبه إلى ترك الصلاة ، وفي الثاني أن الناهي لا ينتهي عن عصيانه بالتهديد وأنه لا يفيده دعاء ناديه ، فالكل منفي ، حسن كل الحسن الإتيان بأداة الردع فقال: ( كلا ) أي لا يقدر على دعاء ناديه ولا ينتهي عن أذاه للمطيع بالتهديد فليرتدع عن كل من ذلك .
ولما كان كأنه قيل: فما أفعل ؟ قال معرفًا أن من علم أن طبع الزمان وأهله الفساد ، وجب عليه الإقبال على شأنه والإعراض عن سائر العباد ) لا تطعه ) أي في نهيه لك عن الطاعة بالصلاة أو غيرها .
ولما كان نهيه عن الصلاة التي هي عماد الدين ، وكانت الصلاة يعبر عنها بالسجود لأنه - مع أنه جزؤها - هو أشرفها ، وهو أيضًا يطلق على مطلق العبادة ، قال تعالى مشيرًا إلى النصر له ( صلى الله عليه وسلم ) ولأتباعه على كل من يمنعهم عبادته: ( واسجد ) أي دم على صلاتك وخضوعك بنفسك وجدد ذلك في كل وقت .
ولما كان السجود أقرب مقرب للعبد إلى الله قال: ( واقترب ) أي اجتهد بسرك في بلوغ درجة القرب إلى ربك والتحبب إليه بكل عبادة لا سيما الصلاة فإنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وقد شرح هذا المقام كما تقدم في الفاتحة قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( أعوذ بعفوك من عقوبتك ) فإن هذا الجملة أفادت - كما قال الإمام الغزالي في كتاب الشكر - مشاهدة أفعاله الله فقط ، فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله ، فاستعاذ بفعله من فعله ، قال: ثم اقترب ففني في مشاهدة الأحوال ، وترقى إلى مصادر الأفعال ، وهي الصفات ، فقال: ( أعوذ برضاك من سخطك ) وهما صفتان ، ثم رأى ذلك نقصانًا في التويحد فاقترب وترقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة