صفحة رقم 518
ثبوتًا لا مرية فيه ولا مزيد عليه ، وكان الحال مقتضيًا لأن يردع غاية الردع من أعرض عما يعنيه وأقبل على ما لا يعنيه ، فقال سبحانه معبرًا بأم الروادع ، وجامعة الزواجر والصوادع: ( كلا ) أي ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما لا يجدي ، فإنه ليس الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض الدنيوية ولم تخلقوا لذلك ، إنما خلقتم لأمر عظيم ، فهو الذي يهمكم فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم - فكنتم لاهين كما يكفيه كل يوم درهم فاشتغل بتحصيل أكثر ، وكذا من ترك المهم من التفسير واشتغل بالأقوال الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل بنوادر الفروغ وعلل النحو وغيرها وترك ما هو أهم منه مما لا عيش لا إلا به .
ولما كان الردع لا يكون إلا عن ذار يجر وبالًا وحسرة ، دل على ذلك بقوله استئنافًا: ( سوف ) أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر ) تعلمون ) أي يتجدد لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ما يكشفه الموت وجير حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله .
ولما كان من الأمور ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى الملال ، دل على أن شرح هذا الوعيد مهول بقوله مؤكدًا مع التعبير بأداة التراخي الدالة على علو الرتبة: ( ثم كلا ) أي ارتدعوا ارتداعًا أكبر من ذلك لأنه ) سوف تعلمون ) أي يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه يسيرًا بالبعث .
ولما كان هذا أمرًا صادعًا ، أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة التأكيد بمرة ، فقال مرددًا للأمر بين تأكيد الردع ثالثًا بالأداة الصالحة له ولأن تكون لمعنى - حقًا كما يقوله ائمة القراءة: ( كلا ) أي - ليشتد ارتداعهم عن التكاثر فإنه أساس كل بلاء فإنكم ) لو تعلمون ( أيها المتكاثرون .
ولما كان العلم قد يطلق على الظن رفع مجازه بقوله: ( علم اليقين ) أي لو يقع لكم علم على - وجه اليقين مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم ، فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون - فحذف هذا الجواب بعد حذف المفعول للتخفيم فهو إشارة إلى أنه لا يقين غيره ، والمعنى أن أعمالكم أعمال من لا يتيقنه ، قال الرازي: واليقين مركب الأخذ في هذا الطريق ، وهو غاية درجات العامة ، وأول خطوة الخاصة ، قال عليه الصلاة والسلام: ( خير ما ألقي في القلب اليقين ) وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما