صفحة رقم 578
( صلى الله عليه وسلم ) ليكون إلى فهم عنه لتلك الصفات العلى أقرب لما لهم به من المجانسة: ( قل ) أي يا أكرم الخلائق ومن لا يفهم عن مرسله حق الفهم سواه ، وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له يفهم عموم الرسالة ، وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلًا عن ذلك بالفعل أو بالقوة حثًا على استحضار - ما لرب هذا الدين - الذي حاطه هذه الحياطة ورباه هذه التربية - من العظمة والجلال ، والكبرياء والكمال ، ففي الإطلاق المشير إلى التعميم رد على من أقر بإرساله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى العرب خاصة ، ويدل على ان مقول القول لا ضرر فيه على أحد فإن ظواهره مفهومة لكل أحد لا فتنة فيها بوجه ، وإنما تأتي الفتنة عند تعمق الضال إلى ما لا - يتحمله عقله .
ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول
77 ( ) نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ( ) 7
[ الجاثية: 24 ] أثبت وجوده سبحانه على أتم الوجوه وأعلاها وأوفاها وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتًا لا يتوجه نحوه شك بوجه من الوجوه ، فقال مكاشفًا للأسرار - فإنه لا يمكن غيبته عنها أصلًا - وللوالهين: ( هو ( فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء إشارة إلى أنه واجب الوجود لذاته - وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها ، فإن كل ما كانت هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه فمتى لم يتعبر غيره فلم يكن هو هو ، وما كانت هويته لذاته فهو هو سواء اعتبر غير أو لم يعتبر ، فإذًا لا يستحق هذا الاسم غيره أصلًا على أن الهاء بمفردها مشيرة - بكونها من أبطن - الحلق إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه ، والواو - بكونها من أظهر حروف الشفة - إلى أنه الآخر والظاهر ، وأن إليه المنتهى ، وليس وراءه مرمى ، وأنه المبدئ المعيد - كما يشير إلى ذلك تكرير الواو في اسمها ، وإلا أنه محيط بكل شيء لما فيها من الإحاطة .
ولما كان وجوده سبحانه لذاته ، ولم يكن مستفادًا من غيره ، فإن ما استفيد وجوده من غيره كان ممكنًا ، كان لا يمكن شرح اسمه الذي هو هو ، لا اسم حقيقة غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل لأنه لا جنس لا ولا نوع له ولا سبب يعرف به ، والذي لا سبب له لا يمكن معرفته إلا بلوازمه ، واللوازم منها سلبية ومنها إضافية ومنها قريبة ومنها بعيدة ، والتعريف بالإضافية وبالقريبة أتم من التعريف بالسلبية وبالبعيدة ، لأن البعيد كالضحاك الذي هو بعد المتعجب بالنسبة إلى الإنسان لا يكون معلولًا لشيء بل معلولًا لمعلوه ، وبالجمع بين السلبية والإضافية أتم من الاقتصار على أحدهما ، فلذلك اختير اسم جامع للنوعين ليكون التعريف أتم ، وذلك هو كون تلك الهوية إلهًا ، فاختير لذلك