صفحة رقم 557
المؤمنين عند نزولها وجواب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب:
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء
ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء لهم على قولهم ) سمعنا وأطعنا ( - الآية ، فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه ؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله ) وإن تبدوا ما في أنفسكم ( - الآية ، بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم
77 ( ) سمعنا وعصينا ( ) 7
[ البقرة: 93 ] من الآصار في الدنيا والآخرة ، فيكون حينئذ استئنافًا جوابًا لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم ؟ ويكون شرح قوله أول السورة:
77 ( ) أولئك على هدى من ربهم ( ) 7
[ البقرة: 5 ] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستفتاح بقوله: ( لها ) أي خاصًا بها ) ما كسبت( وذكر الفعل مجردًا في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته .
قال الحرالي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى .
)وعليها ) أي بخصوصها ) ما اكتسبت ( فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط ، فلذلك من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ، وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام .
ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلامًا بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانًا ولا بما قارفوه خطأ ولا حمل عليهم ثقلًا بل جعل شريعتهم حنيفية سمحًا ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك ، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم ، ثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلًا للخلافة ؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين ، إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم ، وليكون الدعاء كله محمولًا على الإصابة ومشمولًا بالإجابة فقال سبحانه وتعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا ) أي لا تفعل معنا فعل من يناظر خصمًا فهو يناقشه على كل صغير وكبير ) إن نسينا ) أي ففعلنا ما نهيتنا عنه ) أو أخطأنا ) أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءًا .
قال