فهرس الكتاب
صفحة رقم 72
لحكم التوراة ، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سببًا في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم ، وتلد صاحب شريعة مستقلة ، ثم يكون مقررًا لأعظم الشرائع .
ولما تم ما قالته عند الوضع أو قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة ، وأكدت إعلامًا بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا: ( وإني سميتها مريم ( ومعنى هذا الاسم بلسانهم: العابدة .
قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسمًا ، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول: يا رب أضاعوني ، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها ، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم ، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين ، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عينًا واسمًا .
ولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقًا أن يجري الله سبحانه وتعالى إعاذتها قولًا كما هو جاعلها معاذة كونًا من حيث هي له ، وما كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت: ( وإني أعيذها بك ( وفي قوله: ( وذريتها ( إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية ، فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله ، فهو معلمه لمن شاء .
ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدًا ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها: ( من الشيطان الرجيم ( وفي هذا التخليص لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية ، وبماء زمزم في البداية النبوية .
عند الانتهاء الكوني ، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) اتصال واصل ؛ قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي ، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه ) ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: ( فتقبلها( فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها ) فتقبل ( ، ففيه إشعار بتدريج وتطور وتكثر ، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور