صفحة رقم 194
فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب في شعار المتقين: الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصى أحد ، وبناها عليه معلمًا أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال: ( ولتسمعن ) أي بعد هذا اليوم ) من الذين ( ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله: ( أوتوا الكتاب ( ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال:( من قبلكم ) أي من اليهود والنصارى ) وتتقوا ) أي من الأميين ) أذى كثيرًا ) أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها ) وإن تصبروا ) أي تتخلفوا بالصبر على ذلك وغيره ) وتتقوا ) أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتمادًا على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف ) فإن ذلك ) أي الأمر العالي الرتبة ) من عزم الأمور ) أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلًا عليه منقوله:
77 ( ) قد بدت البغضاء من أفواههم ( ) 7
[ آل عمران: 118 ] إلى أن ختم بقوله:
77 ( ) وإن تصبروا تتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا ( ) 7
[ آل عمران: 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور .
ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق ، ثم أخبر بقوله:
77 ( ) قد جائكم رسل من قبلي ( ) 7
[ آل عمران: 183 ]
77 ( ) فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ( ) 7
[ آل عمران: 184 ] أن النبيين وفوا بالعهد ، وأن كثيرًا من أتباعهم خان ؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد ، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون الآية التي قبلها ، وكأنه قيل: فاذكروا قولي لكم ) لتبلون ( واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه ، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه ) و ( اذكروا ) إذ أخذ الله ( الذي لا عظيم إلا هو ) ميثاق الذين ( ولما كانت الخيانة من العالم أشنع ، واكن ذكر العلم دون تعيين المعلم كافيًا في ذلك بنى للمجهول قوله:( أوتوا الكتاب ) أي في البيان ، فخافوا فما آذوا إلا أنفسهم ، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع ، أو يكون التقدير: واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم ، واصبروا لتفوزوا ، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم ، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار .
هذا ما كن ظهر لي أولًا ، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد